الأربعاء، 12 نوفمبر 2025

كيف أنقذ ابني في المدرسة؟

 أُرسل له مازحة سؤالا كررته مرات كثيرة على مسمعه

"هل أستقيل من المدرسة؟"

ويمر على خاطري طالبة الثانوية التي امتلأت بالثناء على شرحها لزميلاتها، وتقدمها للشرح بدلا عن معلمتها، وكأنني بتلك الغبطة  التي كانت تجتاح قلبها لتحلق بخيالها إلى المستقبل، قائلة:" يوما ما سأكون معلمة حقا!"

وتمضي السنوات ويتحقق الحلم  الذي ما لبث إلا أن بدّل عباءته الوردية فأضحت مزيجا من ألوان التعب والإرهاق.

وكم تساءلت ما الذي يجعل المعلم رهين الصدمة وهو في ميدانه العظيم؟ حتى أرتني "الخبرة" صنوفا من المنغصات تطل بوجهها كل صباح لتحيي معلما لم تسعفه أنفاس الصباح ليريح صدره من تعب الأيام.

وأنا أعيش هذه الأيام بعيدا عن مدرستي، أستذكر تلك الأوقات التي عدت فيها غاضبة وعازمة على الكتابة لمجتمع يهدم جيلا وتعليما دون شعور، فيصدني الاشتغال والجري عن هذه البغية.

وكأن هذه الرغبة في الكتابة بدأت تتسلل إليّ من جديد رغم البعد، فعسى الله يفتح بيني وبين الحق لعل قلبا يعي ويتدارك!

#يتبع

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

أنظر إلى الصورة طويلا في هاتفي، كانت يدي التي تمتد لتربت على طالب يبكي لا يريد القدوم إلى المدرسة، وأهمس لنفسي: أفهم ما تشعر به!

يتردد المعلم كثيرا عن الحديث عن واقعه لأنه سيواجه مجتمعا وأصنافا من البشر لا يتسع لهجومهم صدرُه.

منهم الذين يعششون في السطحية فيصرخون:" إن لم تعجبك الوظيفة دعها لغيرك!"، فلا يرون التعليم إلا وظيفة جالبة للمال، ينبغي على الفائز بها أن يأخذ راتبه وهو صامت.

وهذا المنطق العجيب رأيته اليوم في كلام أحدهم وهو يقول لطالب يذكّر بحقوقهم:" إن لم يناسبك الوضع، دع المقعد لطالب آخر لم يقبل"!

وهذه واحدة من المعضلات التي يتعثر بها الإصلاح، أن يُنظر إلى المُصلح بعين الريبة ويُنبز بالجحود وعدم الشكر، فتنحرف القضية عن مسارها؛ فبدلا من تقويم الخطأ، يُرجم المُصلِح.

وأنا أشد على أيدي المعلمين، وأذكرهم أنه لا يوجد متسع للتردد والخوف من سهام المتربصين، لأن التعليم بات عندنا على شفا حفرة من الانهيار.

وإن جئنا لوصف أساس البلاء وأصله في مدارسنا، فلن أبدأ بالمناهج وتخبط القرارات -وهي من أصناف البلاء- وإنما بهيبة المعلم التي طُمست، وباحترامه الذي هُجر، حتى ليصيبني العجب من طلاب صغار ينتقصون من معلمتهم، بل ويصل ببعضهم أن يلقي الشتائم ويصرخ ولا يبالي!

وللأسف، لا يوجد سر وراء هذا السلوك، بل هو مما يُجهر به في كثير من البيوت دون وعي بالمصير.

فكم من لسان أدمنت الانتقاص من المعلم أمام الأبناء، بل وأشركتهم في الانتقاد الذي قد يخالطه الشتم.

وكم من كلمة في برنامج ألقت النكت والاستهانة بالمعلم

حتى تشبّع هذا الجيل بهذه النظرات نحو المعلم، فلم يعد يلقي له بالا ولا احتراما.

ونحن إن جئنا نتمعن قليلا في ما وراء هذه الكارثة، سنجدها تقع على رأس الأبناء بل والمجتمع بأكمله، فضلا عن مخالفتها لأخلاق المسلم.

وقد رأيتُ هذا جليا في الطلاب وأخلاقهم ومستوياتهم،

فالطالب الذي يتغذى من سموم استنقاص المعلم، لن يرقى في مدارج العلم، ولن يكترث بحصة معلمه، وستعشش الاستهانة في عقله، ويُسجن في فقاعة الغرور، والعكس صحيح.

ولهذا نرى أهل العلم يبدأون كتبهم بباب آداب المعلم والمتعلم.

ولا أزعم بهذا الحديث أنه لا يوجد معلم يخطئ ويقصر، ولكن الآباء الأفذاذ -الذين يحرصون على دين أبنائهم وأخلاقهم وعلمهم- لا يجعلون خطأ المعلم علكة يلوكونها أمام أبنائهم، بل تقودهم حكمتهم إلى الدفع بالتي هي أحسن دون المساس باحترام المعلم في أذهان أبنائهم، بل وتوجيههم إن سمعوا منهم نبرة استنقاص لعلمهم أنّ هذا سيعود وباله عليهم، فضلا عن وقوعهم في إثم الغيبة واعتيادهم عليها.

فإن كنا نريد حقا أن نكون في ركب المصلحين للتعليم في مدارسنا، فلنكف ألسنتنا عن المعلم ولنذكر أبناءنا بمقامه ولنربيهم على آداب المتعلم؛ وبهذا نحوز مفتاحا ذهبيا لإصلاح الأجيال.

ميعاد الحارثية

#يتبع

الثلاثاء، 15 يوليو 2025

الكاتب والجن!

 تمضي هذه السنة مُثقلة بضغوطات كثيرة، فبينما يترنم الناس بإجازاتهم كنتُ أنا أعدّ الليالي خوفا ورجاء،

خوفا من عودة الدوام سريعا، ورجاء أن أجد أياما بسيطة أتنفس فيها.

وأنا أحدث زميلتي ونتواصى على الجهاد والصبر، لمعت في ذهني حقيقة أنني في دوام ل٩ أشهر متتالية ولهذا أصبحتُ عُرضة للتعب والفضفضة الكثيرة، وأنا في داخلي أوقن أنني أُحب هذا السعي، ولا أطيق الحياة من دونه، ومعي موهبة "تطليع الشغل من تحت الأرض"، والحمد لله الذي ألهمني أنّ هذا الجهاد رزق عظيم إن وعينا له، وهو فضل من الله علينا لا يُتاح لكل أحد.

دعوتُ قبل يومين بألا يُبتلى مؤمن بدراسة صيفية أكاديمية بعدما كنتُ أشجع زميلاتي على هذه الخطوة حتى يتخففن أثناء الفصل الدراسي، والحمد لله الذي نجاهن.

ولكن الجانب المنير في هذا الصيف كانت تجربة تعليم الطالبات لمادة العقيدة، وقد كان عمرهن هو العمر المثالي الذي يجعلني أفهم حقيقة هذا الجيل -الذي استوعبت لاحقا أننا كبرنا وأصبحنا لا نعرف بعض اهتماماته-.

 وكطابع حصص العقيدة، كانت حصصنا جدلية، اندهشت في بدايات المركز من جرأة الفتيات على النقاش وأحببتُ هذا كثيرا، حتى جاء ذلك اليوم،

الذي جعلني أكتب لكم هذه المذكرة -بعد انقطاع طويل ومؤسف عن الكتابة-.

كانت الحصة تمضي بسلام وقد قلتُ في نفسي:'الحمد لله موضوع اليوم سيمضي سلسلا وسننهي ما خططنا له"، حتى وقفنا على معنى كلمة "الثقلين"، وما إن عرفت الطالبات المعنى حتى تنقبت وجوههن بالحماس وتنشطت أذهانهن واستعدت كل واحدة منهن بأن تدلو بدلوها، وهذا هو دأب العمانيين، ينشطون عند أي ذكر للجن ويتوارثون هذا الأمر جيلا عن جيل.

حتى بدأت إحدى الطالبات تسرد لنا تفاصيل دقيقة عن الجن واستحضارهم وغرائبهم وأعمالهم -التي قد يجهلها الجن بأنفسهم-، فطرحت عليها سؤالي المعتاد: أنّى لكِ هذا؟!.

قالت:" فلان ذكر في رواية هذا الأمر"

وأنا المسكينة -على نياتي- حسبتها تقصد أنّه ذكر رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فطفقت أشرح لهن عن علم الحديث وعلم الرجال والتصحيح والتضعيف وأمثلة على الحديث الموضوع، حتى صرخن بصوت واحد:"أستاذة، تقصد رواية كتاب، قصة!"

فأخذتني الصدمة، فأخبرتها إذن ما يقوله فلان هو محض خيال!

لكن لم يعجبها الرد -وقد كانت تتحدث بكل يقين عن الأفكار التي يطرحها-، فردت:" أستاذة لكنه خرج في لقاء وذكر هذه التفاصيل مع الجن، وأنها حدثت معه حقيقة"

فسايرتها، وقلت لها عرفيني على هذا الشخص، هل هو عالم، وثقة أم من هذا الذي نأخذ منه هذه الأمور.

فأجابت بكل فخر:" هذا كاتب سعودي مشهور" وردّدت كلمة مشهور وكأنها تحمل في طياتها معاني الصدق والحق والثقة.

وفي نهاية الحوار عدنا لدرسنا الأول في العقيدة، إلى مصادر العقيدة ومرجعية المؤمن، ولكن الفتاة بقيت واجمة وكأن ذلك الحوار أساء إلى شخص مقدس تعرفه.

من هذه الحادثة، عدتُ وأنا أتأمل في حال مجتمعنا الذي يُلقي بفلذات أكباده في عالم ممتلئ بالأفكار والخزعبلات دون أن يشعر الولي بخطورة ما يملأ قلب وعقل أبنائه، ودون أن يفكر يوما أن يحاورهم ويُبين لهم المرجعية الصحيحة التي يستقون منها عقيدتهم وأفكارهم؛ فتعيش البيوت ولا هم لها إلا الأكل والشرب والملبس، مغمضة عينيها عن بوصلة الآخرة التي ترشد المؤمن إلى الصواب.

والحمد لله الذي يمنّ على بلدنا يوما بعد يوم بتكاثر المراكز الصيفية، وكثير من أهل الوعي وإن كانوا لم يتمرسوا الحوار مع أبنائهم لكنهم فضلوا أن يلحقوهم بمراتع العلم في هذه المراكز، بدلا من مصيدة الأجهزة والروايات والأفلام!


ميعاد الحارثية 

كيف أنقذ ابني في المدرسة؟

 أُرسل له مازحة سؤالا كررته مرات كثيرة على مسمعه "هل أستقيل من المدرسة؟" ويمر على خاطري طالبة الثانوية التي امتلأت بالثناء على شرح...