الخميس، 27 أغسطس 2020

*بين الحرية والنهي عن المنكر*

 *بين الحرية والنهي عن المنكر*


تتجاذب المعاني الحقوق ولكلّ معنى جيش يحارب عنه، وقد طالت حربٌ بين فئتين حتى كاد يكون السلم شاذا بينهما.

ومما يوجع الفؤاد أنّ هذه الحرب قائمة بين مسلمين عابدين لرب واحد ومتبعين لشرع واحد.

كان الحبلُ متينا بين الحرية والنهي عن المنكر، ولكن كثرة النزاع أرهقته حتى كاد يكون أهون من الشعرة عند بعضهم.

وهنا سنعيد لكُل مفهوم حقوقه البيّنة..

تُلزمنا الحرية ألّا نتدخل في شؤون الآخرين، وهذا الأمر من صلب الدين، وثقافة كادت تندثر عن كثير من الناس. ولكن أي حرية هذه؟ الحرية التي لا تضر أحدا وليس بها منكر، فأنتَ لا دخل لك بمهنة الشخص، بعدد أولاده، بشكل بيته، بطوله، ودراسته، بأكله وشربه ما دام حلالا؛ فقف ولا تتعد خصوصيات الآخرين بأسئلتك واستفهاماتك وتوجيهاتك.

متى نتدخل؟ عندما نرى مُنكرا فنستجيب لأمر الله ورسوله بمحاولة تغييره، وهنا تبيان لكُل الدعاوي التي تحاول أن تزعزع أركان إنكار المنكر في حياتنا والتي ستلاقيها عندما تصدع بالحق.

⚡*الشخص حُر، لا دخل لك بحياته، اهتم بنفسك*

يجب أنْ نعي أنّ الإسلام جاء بروح الجماعة القوية المتماسكة، وهذه الجماعة لا تريد أنْ تترك فردا منها يحيد عن طريق السلامة، ولهذا جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الله تعالى يأمرنا بالتناصح والتوجيه، ثم نقول هذه حرية الشخص؟ 

كما أنّه لا معنى لقول "دعوا الخلق للخالق"، لأن الخالق هو الذي أمرنا بإنكار المنكر. 

﴿وَلتَكُن مِنكُم أُمَّةٌ يَدعونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ﴾

﴿يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسارِعونَ فِي الخَيراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحينَ﴾

بماذا يُفسر الآيات الذين يُنكرون على الناس النصيحة؟

وكيف يصف القرآن الذين ينصرفون عن النصيحة ويخلطون الحق بالباطل؟ 

﴿كانوا لا يَتَناهَونَ عَن مُنكَرٍ فَعَلوهُ لَبِئسَ ما كانوا يَفعَلونَ﴾


﴿المُنافِقونَ وَالمُنافِقاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرونَ بِالمُنكَرِ وَيَنهَونَ عَنِ المَعروفِ وَيَقبِضونَ أَيدِيَهُم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم إِنَّ المُنافِقينَ هُمُ الفاسِقونَ﴾

إذن هذه الآيات تخبرنا أنّ النصيحة وإنكار المنكر واجب على الأمة؛ فاصدح بالحق مهما تلقيت من اللوم.


⚡*يُمكن أن يكون صاحب هذا الفعل أفضل من غيره، وقد يكون قلبه طاهر، وأنتم تتهمونه*

التركيز في النقاش منجاة، فإن نصحَ الناصحُ بترك التدخين مثلا، قيل له ربما هذا الشخص يصلي ويتصدق وطيب.

هل الناصح قال عكس هذا؟ هو ركّز على نقطة فلا نقتحم أسوار كلامه ونعمم قوله على كُل شيء. 

والأمر المهم في هذه الدعوى قوله تعالى:"أَفَتُؤمِنونَ بِبَعضِ الكِتابِ وَتَكفُرونَ بِبَعضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفعَلُ ذلِكَ مِنكُم إِلّا خِزيٌ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدّونَ إِلى أَشَدِّ العَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعمَلونَ﴾

شرع الله شامل لكُلّ حياة الإنسان، وليس للإنسان أن يختار ترك شيء وفعل شيء، لأن هذا عين اتباع الهوى ولا يُغني عنه شيئا، فمَن فعل الكبائر وأصرّ على الصغائر لن ينفعه شيء، وإن مشى الناس بعقيدة الشمولية والتكامل في ترك كل السيئات لتطهرت الأرض. ونحن نقول هذا الكلام إجمالا ولا نحكم على الأشخاص لأن الحكم بيد الله، وما علينا إلا البلاغ المبين. 

⚡* هذا الشخص أفضل منك، وانظر لعيوبك*

يجسّد بعضهم مقولة:" خير وسيلة للدفاع الهجوم".. 

عندما يُنكر الإنسان المنكر فلا يعني بهذا أنه أفضل من غيره أو أنه خال من الأخطاء، فلا دخل للأمرين ببعضهما؛ ولا معنى لقولك:"اهتم بنفسك"، لأن هذا موضع نصيحة معينة وليس موضع سرد الاهتمام بالنفس. 

⚡*هناك ناس ملتزمة في الشكل لكن تجدها أسوأ الخلق*

الهرب من أخطائنا باتهام الآخرين لن ينفعنا، هذه المقولة قد تكون حقيقية، وأنت إن رأيت مُنكرا واضحا من هذا الشخص انصحه ووجهه حتى وإن كان ملتزما بالمظهر. 

ولكن نحن نأخذ بظاهر الأمور، فليس من حقنا اتهام الآخرين بالتوقع، بل ننصح على المنكر الذي نراه أمامنا فقط. 


وعلى الناصحين أنْ يُحسنوا النُصح، ولا يستخدموا أساليب التهكم والسخرية، وليقولوا التي هي أحسن، ولا يلتفتوا لأي صراخ يقف في وجه كلماتهم ما داموا أخلصوا وأحسنوا. 



ميعاد الحارثية 

الأحد، 9 أغسطس 2020

شوق



تراءى لي جدي في المنام، كان يقف كحارس على دكانه القديم وخلفه البيت الذي لعبنا فيه طويلا وغاب من الذاكرة..

هل تتعمد الذاكرة إلقاء بعض الصور من قاربها لتتخفف بحملٍ جديد؟

كنتُ أهتف لكَ بحماس الطفل الذي عاد والده بعد طن من الدموع المسكوبة: انظر انظر، ذاك جدي.

رفعتُ صوتي عاليا لعله يلتفت لي:"أنا ميعاد، أو عزة إن شئت يا جدي، انظر لم أعد أنزعج من الاسم"

لم يلتفت، كان قد نسيني مثل أشياء كثيرة مرت في حياتي.

لعلي كنتُ سأخبره أنك أنت أيضا تخترع لي الأسماء الكثيرة؛ فأتذكر بها بكاء الطفلة وهي تدافع عن وجودها، كانت تخشى أن تُسلب من نفسها، فما تقيمه الأسماء أعمق مما تتصوره عقولنا القاصرة.

ألم تجرب يوما أن يخفق قلبك عند كُل ذكر لاسم حبيبك؟ ليس بالضرورة أن يكون هو المقصود حتى تحس بالانتماء إلى الحروف المصفوفة بإتقان وبجمال لم يسبق له مثيل..

تفتخر الحروف أن كوّنت اسمك، وتنقاد إلى مكانها بكل طرب عازفة أنشودة تشد الروح قسرا..

قلتُ لك كثيرا أن اسمك جميل، ووضعتُ له نكهاتي الخاصة التي أخفيها عن الأبصار..

لعل لم يعد لقولي هذا معنى، شعرتُ بهذا في أوقات كثيرة فنزحتُ عنه إلى غيره.

ما زلتُ أرى اسمك جميلا، وما زلت ألتفت التفات المسلوب غنيمته عندما أراه في موضع آخر، وحسبي بأنهم إن سرقوا الحروف واصطفافها، لن ينفخوا الروح في داخلها..


حروفي تلهث، متعبة حد هذا الألم الذي يقطع صاحبتها والأنين الذي يغرقها والأحداق الباردة التي تشويها.

لم تخطط لقول هذا كله، فهي قبل أن تولد عرَجت إلى سماوات رسائلنا القديمة، إيه يا لذكريات هذه الأيام..

كنتُ أرتجفُ فيها ارتجافة المُسن وهو يسحب بعينيه دقائق العمر البطيئة، ويفرح لرنين الساعة القديمة، هاقد طوى الوقت بعض ثيابه؛ وسينكشف من تحتها بريق وجوههم..

إيه على تلك الأيام وأنا خاضعة أمام الهاتف أرجوه أن يسقيني برسالة تُريح ذاك الشوق لحظة وجيزة..

إيه على تلك الأيام وأنا لا أنام الليلة والليلتين ولا أكل من الطعام إلا قليلا، ولا أقوى على زوبعة الأفكار المميتة التي تهلكني بطوفانها الشديد.

إنْ لم تمتد إليّ يد من قبل، فهل ستمتد الآن؟


حروفي مشتتة، لم تعد تجد لها مستقرا، تتذبذب محتارة هل تأفل أم ما زالت هناك بقعة ترتضيها؟

أشعر بها هوجاء مشوهة، غارت معانيها في رمال العتاب وتوشحت سيماها بغلاف الضعفاء..

أتدري ما يمرضها؟

أنها طافت حقول الأنام وجمعت أبهى صنوف الورد ولكن عندما نثرته في وجوه الأحباب استحال شوكا، وكان للشوك صدى يرتد على جَنانِها..

ذاك الجَنان الذي تمنّى أن يُسلخ ليكشف عن جوهره، لتشع مقاصده وتُرى رأي العين..

فيا لوجع المقاصد الحسنة عندما تُردم بتراب العقاب.

سلامٌ على حُبّ لم يمل، وعلى حروف لم تهدأ، وعلى قلبٍ أبت الأيام إلا أن تسكنه في وطن الوحدة، وعلى ألمٍ أبى إلا أن يقبع في ضفافي..

سلامٌ على الشغف الميت، والصدر الحَرجِ  والتيه من فقدان المعنى. 



الأربعاء، 5 أغسطس 2020

فلسفة حزن مجهول



أيها الصديق
إنّ للحزن عباءة سحرية يندس تحتها ليتسلل خفية إلى القلوب المهجورة، إنّه يُحب البقعة الرمادية التي تتسع بداخلك كاتساع بقعة الحبر الذي ألقيته بإهمال ولم تزره وقتا طويلا.
قد تتخيل يا صديقي أنّ للحزن أنيابا، وبشاعة ترتجف منها تمتمات الفرح فتهربُ بجلدها لتذرك وحيدا في أرض المواجهة..

لكنني أراه - يا صاحبي- غير هذا ، أُبصر في الحزن طفلا تائها، تتقاذفه أمواج الغربة.. 
زارني يوما وفي عينيه ذبولُ المتسكعين في شارع الضياع، يتلفت خجلا بحثا عن سبب لوجوده بجانبي.. مثلَ خجلك يا صديقي عندما أخطأت في صف الجغرافيا وأرعبك وجودُ خريطة مجهولة، خفتَ من أن تُسلب من وطنك..

في إحدى الصباحات نهضت وقد تلبسني مَسٌ من الحُزن المجهول، اختنقت أصوات العصافير، وتنقب وجه الصباح..
حسبتُ  بادئ الأمر أنّ الكلمات كانت تمزح معي باختفائها المفاجئ، كنتُ أفتح الأبواب بحثا عنها، الباب تلو الباب ولكن كان الفراغ هو الوحيدَ الذي يقابلني، كان كبيرا جدا ليمتص كُل الكلمات ويلقيَها في غياهب الصمت المنبوذ..
كنتُ ألقى نظرات العتاب بعين باردة وقلب جامد، وقد تملكني الحذر من الاقتراب من أي شيء، فاستجابت الأشياء مبتعدة بأقدام الريبة واللوم.
وحدي كنتُ أشعر بالقيود التي تغتال حركتي، وترسم أفكارا تطن في عقلي كطنين الذباب..
أردتُ المقاومة، فكرتُ في أماكن كثيرة أذهب إليها، ماذا لو كان البحر قريبا منا؟ ألم يعتد أن يُلقى بحجارة الهموم فيبتلعها ويُهديَنا الزرقة؟ وحده البحر لا يكترث للكلمات، يرضيه صمتك وحديثك، لا يشترط أمرا لاحتوائك. 
ماذا لو نبتت بجانبنا حديقة من الورد؟ كنتُ سأتنفس شذاها غير آبهة بالأسئلة الممنوعة التي تراودني، إنّ شذا الزهور كجهاز أكسجين يُعيد للحياة توازنها..
ماذا لو هربت الكُتب من مكتبتي والتفّت حولي تُنشد أهازيج الخلاص؟ 
ماذا لو فهم الإنسانُ الإنسانَ؟ 
... 
ميعاد

الاثنين، 6 مايو 2019

أهلا رمضان🌙.. فهل أنت مستعد؟


*أهلا رمضان🌙.. فهل أنت مستعد؟ *

بسم الله رب الشوق، رب السكينة والنشوة الجاريتين في عروق المؤمن فرحا بمقدم رمضان، ولو كان رمضان بشرا لعانقناه وما نفع العناق والقلوب خاوية والإحسان منعدم؟
هاهي النسمات تنسل إلينا رويدا رويدا رغم أنف كل المتاعب والمصاعب في هذه الدنيا، وتكاد الدموع تنسل معه حمدا وشكرا على التبليغ، يا الله لك حمدا لا ينفد بأن اصطفيتنا من عبادك لبلوغ هذا الشهر، للاستقاء من بركاته، وكم من نفس كانت تشتاق ولم تبلغه لرحمة وحكمة لا تعلمها إلا أنت يا قدوس.
اللهم إنك قد بلغتنا، اللهم فأعنا، فإن قلوبنا ترتجف خوفا وخشية من أن ننسى وتبقى رؤوسنا غارقة في قاع الدنيا المهلك..
أرِنا طريق الخلاص، طريق التقوى، اصنعنا على عينك وعلمنا أن نستدرك ذواتنا الذابلة.. اللهم قد رزقتنا رمضان بكرمك فلا تجعلنا من الذين يردّون الهدية، خاوية أيديهم وقلوبهم ومن حولهم تقسم الغنائم ويحتفي أهل السماء بالقانتين المجاهدين..
اربطنا بالقرآن، علمنا كيف نمسكه بقوة، ليكون ربيعا لقلوبنا واخضرارا لا يصفر..
انزع الأقفال، مُدنا بالقوة لكي نكسرها، ونفتتها فلا تعود؛ فنرتع في رياض التدبر ونذوقه زلالا..

رمضان للتغيير، فكيف نتغير؟
وهل يتغير إنسان يجهل مساويه؟
وكيف نعرف مساوينا إن لم نغامر ونستكشف كهوف أفكارنا وأحاديثنا، إن لم نضع أنفسنا في كرسي الاتهام وبالدليل نسطر لها اسودادها؟
وهل منا مَن يخلو من هذا السواد؟
من وباء أصاب الصلاة فلم تنهه عن فحشائه، عن جفاف أصاب لسانه فلم يروِه، وعن أخلاق تريد - لو كان الأمر بيدها- أن تندس تحت الأرض خجلا من نفسها، ومن ألفاظ تخرج من ذات الفم الذي يردد:{وقولوا للناس حسنا}، {وقولوا قولا سديدا}، {ولا تنابزوا} {لا يسخر} {ولا يغتب} دون أن تشعر بالريبة..

التغيير هو أن نتلو القرآن ونفتش عن أنفسنا فيه ونرى أين موقعنا الآن من وعده الحق؟
أن نضع أنفسنا في الفئتين ونقيس المسافة بيننا وبينهما، أيهما أقرب؟ والله عزيز رحيم لا يقبلنا إلا ببياض ناصع، فما قيمة ثوب أبيض إن كان مرقعا بالأوساخ؟
لن نتباكى على أوساخنا فحسب، نحن نتنظف والقرآن يدلنا بحذافير الطريقة، ولكن فقط إن وعدناه أن يكون التغيير إلى أن يأتينا اليقين، فرمضان لا يريد منا أن نفعل هذا لأجله، فليست هذه مهمته ولا هدفه.. إنما هدفه التقوى فلنبحث ونَعِ ما هي التقوى من الكتاب الذي أنزله الله في رمضان هدى للناس.
فلنعلم أطفالنا ما هو رمضان، فلندعوهم إلى القرآن وإلى الذكر، ولنجعل لهم نصيبا من هذا التنافس الشريف الذي يجعل المؤمن يغار ويشعر بحسرة إن سمع خبرا عن خير فعله صاحبه وهو تأخر وتضعضع في مكانه، إنه شهر التنافس الذي يدعو ويشجع المتنافسون بعضهم بعضا فيه، فلا تفرطوا..

هنيئا لنا ولكم شهر رمضان، نتضرع إلى الكريم في كل ثانية من هذا الشهر بأن يعيذنا من التقصير والتخاذل والنسيان، وأن يرزقنا قوة تذيب كل عائق وخوف في الطريق إليه، إنه هو السميع المجيب. ♥️

ميعاد الحارثية

الاثنين، 18 ديسمبر 2017

مارجٌ من طموح

                             *مارجٌ من طموح*

تتعاصفُ الأفكارُ المزدحمة، وتتصارع في ذهن ذاك الطالب وهو يعدُّ الأيام والليالي ويراها طويلة جدًا ولكنها غير كافية لكل هذا الكَم من المعلومات المتراكمة فيُصبح بتناقضه مهمومًا لا يدري إلى أين يولي وجهه، تُرى هل سيعضُّ  أصابعَهُ ندما، ويلفظُ أنفاسَهُ حسرةً على كل دقيقةٍ بل ثانيةٍ ودّعته ولم يلوِّنْها بفرشاةِ ألَقِهِ واجتهاده منذ بداية الفصل، فيلوحُ لهُ التّميزُ شبحًا مخيفا يُشيرُ إليهِ من مكانٍ بعيدٍ، أو سيقرر في حضرة عاطفتِه الجيّاشة بأن يكون فريدَ زمانِه بين عشيّةٍ وضحاها، فينثني نهما على مائدةِ كتبِه وما هي إلا غمضةُ عينٍ حتى يتضعضعَ ويتلجلجَ مع أول حصاة صغيرةٍ تسقطُ سهوا في دربه أو سيقتنص الحكمة التي تدعوه قائلة:" أن تصل مُتأخرًا خير لك من عدم وصولِك أبدًا"، فيصدح بصوته الغارق في السكون ويردد:{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فيلملم الشتات مبتدئا بنية الصادق المُخلص المتوكل على الله حقّ توكله، الموقن بأنه سبحانه لا يضيع أجر مَن أحسن عملا، وأي إحسان كالإحسان في طلب العلم..
ثُم يقصدُ توفيقَ الله سالكًا أقصرَ الطُّرقِ إليه، فزادُهُ الدَّعاء، ورفيقهُ الكتاب، وسيفه القلم، ويستعين بممحاتِهِ إن لاح له من أمسِهِ ما يُحزنه، ويستحضرُ مع كلِّ ورقةٍ يفتحها صفحتَهُ الجديدةَ البيضاء، ويشدّ أزره وطاقته التي تلوّح للنجوم العوالي أن اصبري فاللقاء غدًا..
فما يلبث إلا أن يرسم بريشة خبرته ومعرفته لنفسه خطة مُحكمة فلا يجعلها مغلولة شديدة ولا مبسوطة تُرديه مع الخوالف، بل مَرنةً تتناسق مع وقته وقدرته وظروفه ويقتنص الأوقات التي تعينه على الحفظ كالسحر والفجر ويبدأ بما استصعب عليه من المواد؛ حتى يظفر بما وراءها من المراتب العليا مع حرصه الشديد على  أن يُبعدَ نفسه عن المُلهيات فلا يجعل لهواه بابًا يُغويه عن طموحه.
ثم يصعد فُلكه الشامخ بالإصرار ويبدأ في مُذاكرته واضعًا إخلاصه وهدفه نصب عينينه حَذِرًا مِن أن يشاد نفسه وإلا غلبته، بل يرّوح عنها بين الحين والحين بالنافع المفيد ويمدها بحقها من الترفيه والنوم الهانئ لتعود إلى نشاطها مجددا، وينتبه بأنّ طائفًا مِن اليأس والكسل سيزوره ليفرق بينه وبين حلمه فليردعه ويُكمل حتى يبزغ الصبح ببشائر الإنجاز والوصول.

{ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون}

#سُليمان الشريقي
#ميعاد الحارثية

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

أنعرِفُنا؟

أنظرُ حولي وأتأملُ تسابق البشر لزينة الحياة الدنيا وكأنها أصبحت لقمة سائغة سهلة بعدما كانت توصف بالطريق الوعر السائق إلى الآخرة.
كم منّا مَن تخلى عن الجمرة في يده وقبضَ وهمَ النجاة؛ فلم يعد استمساكه استمساكا ونَسي أنّ الأصل أنْ يجري لأجل رضى أكبر ولأجل درجة أرفع في الجنة ولا يكتفي بالقاع؛ شُكرًا لله وتعظيما وحُبّا له تعالى..

لسنا في مساومة ما إن يرى أحدنا خيطا رفيعا يُعجب هواه حتى شدّ عليه بقوة ورضيَ التعلق به ولمعت عيناه فرحا بأن لقيَ ما يحاجج به عندما يستنكر أحدهم طريقه، كفَرَت ذاكرته عن الذين كانوا يتركون ما لا حرج فيه خوفَ الوقوع فيما فيه حرج وقلوبهم خاشعة لله حذرة من الوقوف بين يديه يومَ يتبرأ كل شيء من صاحبه حتى ذاك الخيط الواهم الذي كان يترنح به، لم يعد يهتم ببقائه في منطقة أمان ورحمة، أصبح ما فيه حرج نقطة يرصدها وينبش ما حولها حتى يصيّرها كيفما يشاء..

الله أعظم من هذه المحاولات البائسة للبُعد عنه سواء قصدنا أو لم نقصد..
الله أعظم من هوى يجعل حرماته قابلة للتبديل والتغيير بلا وجه حق..
الله غني عنّا ونحن الفقراء؛ فهلّا ولينا وجوهنا شطرَ رضاه واستعظمنا كل صغيرة  تُلقي بنا عن محبته ما استطعنا لذاك سبيلا؟



ميعاد الحارثية

الأحد، 16 يوليو 2017

شحّاذ في الجامعة



استوقفتني فتاة وأنا أجوب الطرقات في الجامعة، ولطالما ارتسم العجَبُ في عقلي عندما يبدأ الغرباء بالحديث معي بموضوع طويل وهم لا يعرفونني، تمامًا كالتي تأتي لمشاركتي كرسي حديقة العلوم وتقطع انغماسي في أشيائي، ولا تخلو هذه المواقف من لذة وابتسامة عند محاولة مسايرة الحديث والإنصات بتمعن، حتى لا تقع في ورطة عدم الاهتمام.
اليوم كانت تلك الفتاة رسولًا من الله لتخبرني فأكتب فتقرأون..
"شحّات في الجامعة"
كانت هذه بداءة حديثها، وأنه لموضوع مثير تصيخ له الآذان وتتفكر العقول..
"رجلٌ يقول إنه من الشرقية وقد فقد بطاقته البنكية ومضطر إلى العودة لبلاده، ولهذا فهو في حاجة إلى المال"

كانت هذه القصة التي يتسلح بها لأسبوعين متتالين، وأطنبت الفتاة في الحكاية:" يبدو أنه لم يعرفني، فقد أوقفني الأسبوع الماضي وقال لي الكلام نفسه، وقد كنتُ أتعلل بأن محفظتي ليست معي"

ألقتْ ما في جعبتها وذهبت، لا أدري إن كانت رغبت في تحذيري أو سكب قصتها سريعًا لأي مارة، ولكنها أثارت ذاكرتي إلى ذاك الذي سولت له نفسه أن يدخل إلى استراحة الطالبات ويوزع قصة حزينة على الجالسات متذللًا بها للحصول على المال، وبينما كنت مستنكرة دخوله المكان الخاص بالفتيات كانت هناك مَن تمدّ له يد العون عطفًا ورثاء لحاله، وبعد أيام نُشرَ عنه أنه يشتري بهن الخمر.
الأمر يزعج الوعي، والنفس لا تتقبله، ولكنها العواطف عندما لا تستعين بالعقل ولا تتريث، فليست كل النيّات الحسنة توصلك إلى عمل الخير، فالشحّاذ عندما يرى أنّ مَن حوله يستجيبون  لتذَلُّـلِه سيدوم على عمله ذاك وسيدمنه، وأنت لا تريد أن تكون سببًا في ذلك، فكن واعيًا لهذا ولا تنفق أموالك في سبيل الغي بحسن نية، ولو استدرجته بالأسئلة لمحصّت صدقه من كذبه، وقلّ منهم الصادق الذي ستغنيه أبواب المؤسسات الخيرية عن التسول.

ميعاد الحارثية

كيف أنقذ ابني في المدرسة؟

 أُرسل له مازحة سؤالا كررته مرات كثيرة على مسمعه "هل أستقيل من المدرسة؟" ويمر على خاطري طالبة الثانوية التي امتلأت بالثناء على شرح...