الأحد، 7 يونيو 2026

حريص عليكم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرؤوف الودود الوهاب، الذي وهب لنا من رحمته رسولا حريصا على المؤمنين رؤوفا رحيما بهم، وجعله سراجا نقتبس من جمال خُلُقه، وغزير علمه.

وقد منّ الله على بعضِ عباده بأن رزقهم نفحة من خُلق النبوة، فجعل ألسنتهم شهود خير على عظيم خُلُقهم، وجعل جوارحهم تمتطي جياد الحُسن في أدق الأمور.

وقد شهدتُ ثلة منهم، لا يكادون ينبسون ببنت شفة إلا وقلبوها في فكرهم مخافة أن تكون نبالا مسلطة على قلوب العباد؛ فتلقي بهم في غيابات الذنوب.

ومن أثر هذا الخُلق العظيم، أنهم يأخذون حذرهم عندَ الدُعاء بالرزقِ لمِن قُدِرَ عليه رزقه، ويتضرعون لله خُفية بأن يبسط له ما يرجو مما هو خير له، ولا يجهرون بالدعوة أمام المُبتلى خشية تذكيره بوجعه، أو إحراجه بكلمة.

فمِنَ الناس كُلما مرّ برفيقه الذي لم يتيسر له الزواج -مثلا-، صدع له بدعوة تسمعها الجموع بأن يرزقه الله، حتى ضاقت نفس صديقه بتكرار الحديث عنه في كُل محفل، وقد ينأى بنفسه لئلا يُصبح حديث المجالس.

ومثله، ذاك الباحث عن العمل الذي يلتحف بالصبر الجميل ويتنقب بابتسامة تُخفي عظيم كربه، لكن ما إن يخرج من بيته لتسلو نفسه وينشرح صدره إلا تلقفته الألسن بكثرة السؤال والتنقيب متغافلة عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"١.

وكثير ما يحدث، بأن يتفرق الجمع وينام السائل المُنقّب ملء جفونه، ويسهر المكلوم يُداري روحه ويُصبرها.

وهذه من دقائق الأمور التي يعيها أولو الألباب فيحرصون على أن يتخلقوا بجميل الفضائل، وأن يكون مرورهم على مَن حولهم خفيفا لا يُبقي في نفوس الناس إلا الحبور والراحة.

ويغفل كثير من الناس -عن هذه الدقائق- فتكوي كلماتهم صدورا وهم يحسبون أنهم ينثرون ودا.

ولا أعني بقولي هذا، أنّ الناس يتعمدون إيذاء المُبتلى، وليست هذه دعوة لكفّ الناس عن معرفة أحوال بعضهم وإعانتهم على الصبر، وإنما هي تذكرة بأن ننظر إلى الموضع الذي ستستقر فيه كلمتنا في نفس المستمع قبل أن نتفوه بها، فإن كانت ستلمس جرحا كبحنا جماحها واكتفينا بدعاء الغيب، وإن كانت تخفيفا لمكروب، أبحنا بها بالقدر الذي نُسلي بها ولا نثقل.

ولنحتسب بحرصنا هذا على أن نقتدي بخير الخلق - صلى الله عليه وسلم- في حرصه على المؤمنين ورعاية أحوالهم، ولنحتسب إعانتنا إخوتنا على الصبر بعدم تذكيرهم بما لم يرغبوا بالإفصاح عنه والإطناب فيه.

ولندعو الله دائما بأن يبصرنا ويرزقنا الحكمة وينزلنا منزلا مباركا في نفوس مَن حولنا، فلا نؤ

ذى ولا نؤذي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حريص عليكم

  بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرؤوف الودود الوهاب، الذي وهب لنا من رحمته رسولا حريصا على المؤمنين رؤوفا رحيما بهم، وجعله سراجا نقتبس من...