بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرؤوف الودود الوهاب، الذي وهب لنا من رحمته رسولا حريصا علينا، رؤوفا رحيما بنا، وجعله سراجا نقتبس من جمال خُلُقه، وغزير علمه.
وقد منّ الله على بعضِ عباده بأن رزقهم نفحة من خُلق النبوة، فجعل ألسنتهم شهود خير على عظيم خُلُقهم، وجعل جوارحهم تمتطي جياد الحُسن في أدق الأمور.
وقد شهدتُ ثلة منهم، لا ينبسون ببنت شفة إلا بعد تقليب الكلمة في أذهانهم، والتفكر فيها؛ مخافة أن تكون نبالا مسلطة على قلوب العباد؛ فتلقي بهم في غيابات الذنوب.
ومن أثر هذا الخُلق العظيم، أنهم يأخذون حذرهم عندَ الدُعاء بالرزقِ لمِن قُدِرَ عليه رزقه، ويتضرعون لله خُفية بأن يبسط له ما يرجو -مما هو خير له-، ولا يجهرون بالدعوة أمام المُبتلى خشية تذكيره بوجعه، أو إحراجه بكلمة.
ومِنَ الناس مَن يصدع بدعواته أمام الجموع كلما مرّ برفيقه الذي لم يتيسر له الزواج -مثلا-، حتى تضيق نفس صديقه بتكرار الحديث عنه في كُل محفل، وقد ينأى بنفسه لئلا يُصبح حديث المجالس.
ومثله، ذاك الباحث عن العمل الذي يلتحف بالصبر الجميل، ويستتر بابتسامة تُخفي عظيم كربه، لكن ما إن يخرج من بيته -لتسلو نفسه وينشرح صدره- إلا وتتلقفه الألسن بكثرة السؤال والتنقيب، غافلة عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
وكثير ما يحدث، بأن يتفرق الجمع وينام السائل المُنقّب ملء جفونه، ويسهر المكلوم يُداري روحه ويُصبّرها.
وهذه من دقائق الأمور التي يعيها أولو الألباب فيحرصون على أن يتخلقوا بجميل الفضائل، وأن يكون مرورهم على مَن حولهم خفيفا لا يُبقي في نفوس الناس إلا الحبور والراحة.
ويغفل كثير من الناس -عن هذه الدقائق- فتكوي كلماتهم صدورا وهم لا يشعرون.
ولا أعني بقولي هذا، أنّ الناس يتعمدون إيذاء المُبتلى، وليست هذه دعوة لكفّ الناس عن معرفة أحوال بعضهم وإعانتهم على الصبر، وإنما هي تذكرة بأن ننظر إلى الموضع الذي ستستقر فيه كلمتنا في نفس المستمِع قبل أن نتفوه بها، فإن كانت ستلمس جرحا كبحنا جماحها واكتفينا بدعاء الغيب، وإن كانت تخفيفا لمكروب، أبحنا بها بالقدر الذي نُسلي بها ولا نثقل.
ولنحتسب بحرصنا هذا الامتثال لأمر الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا}، وأن نقتدي بخير الخلق - صلى الله عليه وسلم- في حرصه على المؤمنين ورعاية أحوالهم، ولنحتسب إعانتنا إخوتنا على الصبر بعدم تذكيرهم بما لا يرغبون في الإفصاح عنه والإطناب فيه.
ولنتذكر بأنّ من صور تكريم هذا الدين للإنسان بأن راعى مشاعره، وأنزل أحكاما ليُبقي مجتمع المسلمين متآلفا ومترابطا، فلنحرص على هذا المقصد الشرعي بتهذيب سلوكنا.
ولندعو الله دائما بأن يبصرنا ويرزقنا الحكمة، وينزلنا منزلا مباركا في نفوس مَن حولنا، فلا نؤذى ولا نؤذي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق