تحدي الكتابة: اليوم السادس
*الإحسان*
يأسرني الإحسان، بمعانيه الخلابة المتنوعة، وأجد في حروف كلماته رقة تشبه رقة المُحسن في جميل عطائه.
أتذكر قصة النبي يوسف -عليه السلام- عندما قال له رفيقاه في السجن: {إنا نراك من المحسنين}، وأتساءل في نفسي، أي إحسان كان يقدمه يوسف في السجن -وقت كربه وضيقه- حتى جعل الغرباء يثقون به ويمتدحونه بصفة الإحسان؟
وأتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"، وكأنّ هذا الاستشعار العظيم لمقام العبودية يجعل المؤمن يستحضر خلافته في الأرض وطلب إعمارها فيعلم أنّ سبيل ذلك هو الإحسان.
الإحسان للخلق هو انعكاس لأعلى منازل العبودية، وسعي المحسنين لمن حولهم هو برهان على تغلغل المقصد العظيم لهذا الدين، وهو أن نكون أمة واحدة نعبد الله ونعمر الأرض في رحاب الألفة والمودة بين المؤمنين.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة في الإحسان إلى الناس، وخير وصف لإحسانه -عليه أفضل الصلاة والسلام- قول السيدة خديجة -رضي الله عنها-:"والله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
فهلّا تأسينا كما تأسى صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ فأحسن الأنصار على المهاجرين وآثروهم على أنفسهم، وتسابق الصحابة في قضاء حوائج بعضهم، بقلوب تشبعت بالإيمان، وانصرفت عن متاع الدنيا والتسابق عليه.
وإن أردتم ذكر مَن هم أقرب منا زمنا وبيئة، فانظروا إلى علمائنا كيف يفتحون مجالسهم لقضاء حوائج الناس، وكأن الواحد منهم يشعر بأنه ظفر بجائزة عظيمة عندما يأتيه صاحب حاجة ويسخره الله لخدمته. وفي سيرة الشيخ حمود -حفظه الله- أمثلة لا تُحصر، ليس هذا مقام ذكرها.
وقد ذكّرتُ نفسي بهذه المعاني، لما رأيت من تأخرنا -وأخص طلاب العلم- عن طرق باب الإحسان، والاستقاء من أجوره، فإن عُرضت لأحدهم حاجة أجلها ونسيها وجعلها في آخر اهتماماته، وقد يكون عقبة -والعياذ بالله- في طريق الدعوة عندما يعِد ولا يفي، أو عندما ينأى بنفسه في الوقت الذي تحتاجه الأمة لقضاء أمر لموهبة رزقه الله بها.
والتأمل في هذا مُرهق، فبينما يتنافس أهل العلم في فك كربة مكروب، أو في دعوة تُبصر المؤمنين، أو في كلمة تدعو إلى الخير، تتقاصر خُطانا ونتعلل بامتلاء أوقاتنا، ونغفل عن معنى التسخير وما يخبيه من كنوز عظيمة من الأجور.
ومعنى الإحسان يُمكن أن يتجسد في كُل إنسان بحسب طاقته وعلمه، واللبيب مَن تفنن في ولوج أبواب الإحسان وسابق إليها.
فمعاونتك لزميلك في شرح ما غمض عليه، أو مساعدتك لجار أو قاطع طريق، أو تسليتك لمكروب، كله إحسان إن أخلصنا واستشعرنا، ورأى الله منا صدق إقبالنا ونشاط أنفسنا للسعي إليه.
ولأنني أُحب الإحسان -رغم تقصيري فيه- فالكلام يطول فيه، إلا أنّ خير الكلام ما قلّ ودل، ومن لم ينفعه قليل الحكمة لم ينفعه كثيرها.
وأنهي هذا النص بدعوة بأن يتأمل كل منا حياته ويبحث عن مواطن الإحسان فيها، ويجعلها تزدهر، وينوي اقتناص الفرص بعدما يدعو الله كثيرا بأن يجعله من المحسنين.
اللهم اجعلني من المحسنين الذين تحبهم وأعني على سلوك طريق الإحسان، وطهّر نفسي من كُل ما يحول بيني وبين الإحسان، برحمة منك وكرم يا ذا الجلال والإكرام.
ميعاد الحارثية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق