الخميس، 8 أبريل 2021

الزم باب بيتك

 اليوم الثامن من #تحدي_الثلاثين


                              الزم باب بيتك


قد يوحي إليكم العنوان أنّ النص متعلق بكورونا، ولكن لا تستعجلوا فهناك حديثٌ مختلف.

بعض المواضيع ما زال الناس يلوكونها منذ سنوات وفي كُل مرة يتفاعلون كثيرا مع قائلها، وهذا أمرٌ حسن لعل كثرة الطرق تُغيّر من فكرة شخص.

مما أوحى لي خطر هذه القضية وقوفي أمام طلاب الابتدائية كُل يوم، تبينتُ منه أنّ هناك فطرة أو شهوة مُركبة في الإنسان تجعله يتدخل في حياة الآخرين بغير وجه حق.

غالب الفوضى في الصف كانت تبدأ ب:"أستاذة فلان يشرب، أستاذة فلان يأكل، أستاذة فلان يلعب بالقلم..." وهلم جرا.

رغم تحذيراتي المستمرة إلا أنّ هذا الأمر كان يتكرر، لكنّه خَفتَ بفضل الله وبدأ الطلاب يستوعبون الدرس: أنتَ مسؤول عن تصرفاتك فقط ما لم يعتدِ عليك أحد، راقب نفسك ولا تراقب الآخرين وإلا أصبح العقاب لك.

مضت الأشهر وبدأ الطلاب ينظرون باستنكار لمَن يتدخل في أمر زميله؛ فلم تعد هناك حاجة لتذكيري.

أتذكرُ يوما ذهبتُ لزيارة سريعة عند أحد أقربائي وكانت معهم امرأة غريبة، قالت لي:"ليش تلبسين هذا كله؟!"، لم أنظر إليها ولم أرد لكنّي تأسفت من بعض الناس يستنكرون الستر!

الكثير من البشر يأكلهم الفضول، يمدّون أعناقهم ليتحسسوا ما يحدث داخل البيوت وإن جلستَ معهم تشعر أنّك في مركز الشرطة للتحقيق.

أنا التي أُقدّس الخصوصية يتملكني نفور شديد من هذه الفئة، لا أستطيع التعامل معهم ولا مصاحبتهم.

من حقّ كُل إنسان أن يحتفظ بما يملكه في نفسه، وإن كان صديقا لكَ لا تُكثر عتابه لأنه لم يخبرك عن هذا الخبر وذاك فتقف في حلقومه، فضلا عن كونك غريبا.

كلما كبرتُ ورأيتُ ما حولي أُقلّص حجم أسئلتي، حتى تلك التي اعتاد الناس تداولها مثل: متى تتخرج؟ متى تنتقل؟ متى تزور فلانا؟.

قد تكون هناك غصص مخفية خلف هذه الأسئلة التي نُلقيها وإن كان بحسن نية، ربما الشخص مريض لا يستطيع التخرج قريبا، ربما ليس معه مال، ربما وربما، فلماذا نُثير الأوجاع ونحن نوقن أنّه لا يوجد بيت لا يعاني من وطأتها.


فالزم باب بيتك ولا تقفز إلى بيوت الآخرين، ودرّب لسانك على قول:"ليس لي دخل"




*ملاحظة: هذا الكلام في الأمور الشخصية التي لا يدخل فيها إنكار المنكر الظاهر.


٢٥/ شعبان/ ١٤٤٢


الأربعاء، 7 أبريل 2021

شكاوى لا تنتهي

 اليوم السابع من #تحدي_الثلاثين 

                              

                               شكاوى لا تنتهي


نصُّ البارحة انحرف عن مساره، كنتُ أريد أن أجعله مذكرة لما حدث في اليوم، الذي استيقظتُ فيه من الصباح الباكر وفتحت الحاسوب مُباشرة لأنّ الهم قد ركبني وأنا لم أُجهز عرض الرياضيات الذي أريد تسليمه للتخصصي وتشرف عليه المعلم الأول. استغرقتُ تقريبا ثلاث ساعات لا أتحرك إلا بين شريحة وأخرى وبين البرامج والتطبيقات التي أود إضافتها وأنا أدعو ألّا تخونني الشبكة ولا يفتعل الطلاب الفوضى.

أنهيته! تنهدتُ وأنا أُبصر بنائي قد اكتمل، لكن فور ما انتهيت شعرتُ بأعيني تستغيث، فركضتُ إلى "القطور"، خشية الصداع الذي صعد رأسي المرة الماضية وصاحبني ثلاثة أيام يضربني في أوقات متناوبة كالرصاص، فلم ينفع أدول ولا تركُ هاتف ولا غيره، إلا بعدما نصحتني صديقتي أن أأكل البرتقال فهدأ قليلا، ولكنها حذرتني:"اشتري نظارة حجب الأشعة بأسرع وقت!"

للحظتنا هذه لم أشترِ النظارة لأنني لم أفرغ، أشعرُ بي أجري وراء الأيام والأيام تجري ورائي، ومع هذا الحظر أصبح وقت الخروج محدودا.

أقول لنفسي كُل يوم: يا ميعاد رمضان يقترب، خذي نفسا واستعدي، اخرجي من لجة الأشغال. لكن أنّى لي هذا وأنا أرى اصطفاف الأعمال طوابير حولي.

سأجدكِ يا روحي التي أشتاقك، لن تسرقني الأشغال أكثر بإذن الرحيم.

في وسط هذه الضغوطات والمشاعر، بلغتني مُعلم أول عن الشكوى الجديدة من أولياء الأمور، استشاطت نفسي غضبا ولم تهدأ إلى الآن.

حاولتُ تفريغ بعضها في حالة الواتس، لم أعد أفهم الشغف الكبير الذي يعتري بعض البشر للانتقاد في كُل شيء، نحنُ لا نريد منهم جزءا ولا شكورا ونعذر غفلتهم عن آلامنا المستمرة، كُل ما في الأمر نُريد أن يُكفّ الشر عنّا. ويا للأسف عندما أخبرنني معلمات كثيرات بعد وضعي للحالة إنهن يتعرضن لهذا أيضا في مدارسهن..

خيالي يأخذني إلى جلسة نسائية "يسولفن" وليس هناك ما يشغلهن فيقررن الخروج والركض إلى المدرسة للاعتراض على اللاشيء!

ثُمّ يعدن إلى بيوتهن وهن لا يدرين ماذا خلفنَ وراءهن.

أرأيتَ رجلا يعمل ليل نهار والناس من حوله يرمونه بالحجارة، هل تحسب روحه ستبقى وقّادة إلى الأبد؟

لله هذا الجهد، ولله هذا الغضب ولله بعثرة الشعور.

نسألُ اللهَ الصبر،وألّا يجعلنا صخرة في طريق أحد ليتعثر بها ويتألم.

والحمد لله على النفوس الطيبة المُقدّرة الباعثة للأمل، المنتبهة إلى وقع كلماتها فلا تختار إلا الزرع الطيب..

الحمد لله على نفوس الآباء والأمهات القوية الذين لا يألون جهدا وهم يرفعون من شأن هذا العلم.


٢٤/ شعبان/ ١٤٤٢

الثلاثاء، 6 أبريل 2021

عن قصة: خلف جدار الفقير

 اليوم السادس من #تحدي_الثلاثين 


                       عن قصة: خلف جدار الفقير


أُفكرُ في البارحة، في أمر القصة القصيرة واضطراري لجعل الشخصيات تُعاني لتصل رسالتها، وكم من امرئ تألم وتعب حتى يوصل فكرة تربو في نفوس المدكرين. 

لم تك كتابة القصة سهلة، ولم تنبع فكرتها في يوم واحد، كنتُ في كُل مرة أفتح التويتر وأرى أخبار المسرحين والمساجين والديون الفائضة والناس الذين يصرخون لإنقاذ مشاريعهم أشعرُ بشوكةٍ تطعن حلقي. غضبٌ حانق يهزّ أركاني وأعلمُ أنّ ذات الشعور يخالج نفوسكم وتشعرون تماما بالعجز مثلي.

كنتُ قد قررتُ أن أكتبَ قصة عن قضية التسريح منذ زمن، قبل أن أبدأ تحدي الثلاثين، لم أك أعرف الشخصيات ولا الأحداث.

نهضتُ فجرًا قبل يومين وأنا أكاد أنفجر من الأسى من القضايا المتكررة وعندها قلتُ: سأكتبُ اليوم.

رغم أعمالي الكثيرة،مسكتُ دفتري وقلمي وبدأت برسم الشخصيات، خالد وأحمد وحليمة ووالدتهما، ثمّ أمل ضحية الفقر، شعرتُ أنّي أعرفهم منذُ زمن طويل، ينتظرون منّي إيصال صوتهم، لم يك سهلا عليّ أنْ أرسم ذلك الألم في حياتهم، كنتُ أختنق مع كُلّ حرفٍ أكتبه، أشعرُ بالغصة تُمسك قلبي وسقطت دمعتي.

فكرتُ، يا إلهي! كيف استطاع الظالم فعلَ كُل هذا في واقع الناس؟ ألم توجعه الأنّات، ألم تطارده الدعوات؟..

لله تلكَ القلوب المكلومة التي تُعاني خلف الجدار ونحن المُنعَّمون لا نراهم، لا نتضور جوعا مثلهم، لا نحمل همّ الغد، نمرّ على أخبارهم مرور الكرام وكثيرٌ منهم لا يبثُّ أخباره، تحسبهم أغنياء من التعفف..

فيا عظيم يا سميع يا بصير يا رازق يا كريم يا من بيده كُل شيء، كُن لعبادك الضعفاء، آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع وارزقهم من خيرك غير المنقطع، وسخّر لهم أهل الخير واكفهم بعمل يسدون به حاجتهم. 

يا ذا الجلال والإكرام، يا الله. 


٢٣/ شعبان/ ١٤٤٢


الاثنين، 5 أبريل 2021

خلف جدار الفقير٢

        اليوم الخامس من #تحدي_الثلاثين 


                    تتمة: خلف جدار الفقير٢


فاضت أنّات الثكلى حتى دخلت كُل بيت فأوجعته، أُصيبت أم خالد في ظهرها، في ابنها البكر الذي اشتدت به من وعورة الحياة، وأشادت به في محافل الكرماء، سلبوه منها في غمضة عين، ألقوه بين المجرمين وهو أنقى من صفحة الثلج في صباحات الشتاء، لم تجد ما يؤنس فجيعتها إلا نحيبًا امتزج مع نحيب طفلتها.

أمّا أحمد وحليمة لم يمهلا الدمع ليجف من محياهما بل طَفِقا ينسجان الخطط ليل نهار ليُنقذا أخيهما من غيابات الظلام ويردّان إليه روحه وروح أسرته.

بدأت مؤونة البيت تنفد إلا من بعض الأغراض التي يأتي بها المواسون، وفي ليلة دامسة استطاعا اقتلاع بسمة خفيفة من وجه والدتهما وهما يطلعاها على خطتهما الاقتصادية التي اتفقا عليها..

كانت بسمة الفخر بتجلدهما، لكن كانت وراءها لجج من الوجع انبثق من عين الحرمان الذي باتوا يتقلبون فيه، فها هما أحمد وحليمة يتنازلان عن مصدر رفاهيتهما، عن التلفاز الذي عزما على بيعه، عن سالي التي لم يهجرا مشاهدتها حتى في مرضهما.

لم يك الاستغناء عن التلفاز كُل شيء فقد تحسسا الرعب الشديد الذي يُصيب والدتهما من مضي الأيام واقتراب آخر الشهر، مِن أين للمعوز أن يدفع فواتير الكهرباء والماء؟

أصدر الصغيران قرارا بالاستغناء عن الكهرباء قدر المستطاع، ووضعا جدولا للاستحمام لأفراد الأسرة على أن يستعينا بماء الفلج في غالب أوقاتهم، ويكتفوا بوجبة واحدة في اليوم.

لم تشعرهما والدتهما بأنّ مصيبة جاثمة على صدرها لن تتسع لها خططهم، هذه الطفلة التي في حجرها التي بدت ذاوية جدا ببشرة صفراء من فرط الجوع؛ فحليب الأم جففه الحزن قبل أن يجففه قلة الأكل، ومِن أين لها أن توفر لها الحفاظ والحليب وهي التي قد تعبت من تقليب الوسائل في رأسها.

وقد كتمت في نفسها فكرة ألقتها عليها جارتها، فلم تتقبلها نشوة الكرامة التي تجري في دمها. 

-"الجمعيات الخيرية مضغوطة جدًا وللأسف معها حالات كثيرة لن تستطيع مساعدتكم قريبا، ولكن معي لكِ حل سيكتب الله به خلاصكم بكل تأكيد" 

رفعت أم خالد وجهها الشاحب كشحوب الصحراء التي هجرها المطر، ودعَت الجارة بنظرة - مزدحمة باحمرار العينين- لتكمل كلامها. 

-"سنلتقط مقطعا لحليمة وهي تشرح حالكم وتدعو أصحاب الخير لمد يد العون، والتبرع لإنقاذ خالد من السجن، على الأقل سيبحث عن وظيفة خفيفة يعينكم بها بدلا من هذه الحيرة التي تتلبسكِ في كُل مرة أردتِ فتح مشروع ولم تجدي رأس مال تشتدين به" 

جرّت أم خالد خيبتها وخرجت سريعا من بيت جارتها، لم تتخيل أبدا أن تستسلم لهذا، هي الشامخة ستبقى هكذا وإن أطاح بها الموت. 


لم تغب تلك المعاناة عن خالد، كان يتقلب في سعيرها كُل ثانية، ينخره القلق على أسرته، نسيَ الظلام ونسيَ القضبان ولم يتوجه فكره إلّا شطر معاناتهم.

كان قد طلبَ أن يُسمح له بامتلاك دفتر لعله يشارك الحروف بعض أتراحه، في بعض الليالي كانت دموعه تملأ صفحة الدفتر قبل أنْ يحركَ سكونَ قلمه، وفي إحدى الأيام، باغته شوقٌ عظيم إلى والده، انتقلت رعشته إلى قلمه فانسكب الحبر:

"أبي العزيز، لن أزعجك بطلب قدومك فإني أخشى عليك دواهي هذا الدهر، لا أحسبُك تقوى على رؤية ابنك مُضرّجا بآلامه، تلتقمه الكوابيس كُل ليلة، يتكوّر على نفسه مشتاقا إلى حضنِ والدته، إلى الاختباء في رحمها الدافئ. 

تكفي دماء ابنك التي تسيل مدرارا لتغطي ما بقي من بصيص روح تجري في هذه الأرض. أُصبحُ ويصبح الدمع طارقا باب عيني، وحُرقة القلب تجابه صيف الديار. إنني أرثي نفسي فقد صرعتني الوحدة، وسلبتني قوتي وألبستني الوهن، لا أدري كم ستمهل صمودي حتى يتزعزع ساقطا على عرش كبريائي ومُحطِّمه.

إنني أتوجع كثيرا يا أبي، هبني إصبعا منك واحدة أحملها سلاحا في وجه هذا العذاب.

مُشتاقٌ إليكَ جدًا يا أبي."

في ليلة الثاني عشر من فبراير، أفاقت أم خالد على أنّات مخنوقة تنفثها طفلتها أمل، انقبض فؤادها وجرت نحوها فإذا بها تغلي من الحُمى، حملتها وهي تتضرع إلى الله أن يحميها، كانت الساعة تُشير إلى العاشرة، الجيران أطفأوا مصابيحهم، أحسّت أم خالد بالورطة، كيف ستوصل ابنتها إلى المشفى، لبست عباءتها وخرجت دون تفكير من البيت، تخطت الشارع القريب من البيت ثمّ أوقفت سيارة مارة.

رجلٌ كريم رثَى حالها وأوصلها إلى المشفى، أربكه وضعها وترك بصمة ألم في قلبه..


طلعَ الصباحُ ولم يك خالد يكترث له لولا أنّ مشاعره تهجع قليلا، سمعَ باب الزنزانة يُفتح في وقتٍ غير معتاد.

نظرَ إليه الشرطي بابتسامة بهية:" الضابط يُناديك يا خالد"

تعاصفت الاستفهامات في رأسه، وأحسّ بوجل من الاجتماع الغريب، دخلَ المكتب ورأى الضابط ومعه رجل غريب.

حيّاه الضابط بتهلل:" البشرى يا خالد، هذا الرجل سدّد دينك كُله ويريد أن يُعيدك بنفسه إلى والدتك"

غمامة سوداء ثقيلة انقشعت في عينيّ خالد وهو ينظر إلى الرجل، سقطت دموعه مدرارا، تخيّل أحمد وحليمة وهما يجريان لاحتضانه، ووالدته، كم اشتاق إليها! 

وإلى أمل التي لم يرها بعد.

اقتربَ من الرجل واحتضنه بقوة، كأنه حبيب طال انتظاره، تخيله والدَه، وقد جاء ليُنقذه.

كان الصباحُ مُشعًا جدًا على عيني خالد التي اعتادت ظلام القضبان، حكَى له الرجل ما حدث أمس وأنّه أخذ والدته إلى المشفى ثمّ بحثَ عن حالهم، حمدَ الله أنْ عرّفه عليهم.. 


كان خالد يحتضن سكك القرية بنظراته العميقة، يتنفس هواءها بعُمق، يشعرُ بالتنمل عندما يتخيل لقاءه بأهل بيته. حتى وصلا عند باب البيت، كان المكان مُزدحما جدا، تجمدت روح خالد، دخل البيت، ووقع بصره على والدته وهي تنتحب:

"ماتت أمل، مات الأمل يا خالد،

مات الأمل.. " 


#تمت


ميعاد الحارثية 

٢٢/ شعبان/ ١٤٤٢


الأحد، 4 أبريل 2021

خلف جدار الفقير١

  

#تحدي_الثلاثين
اليوم الرابع                                            
             خلف جدار الفقير1

كانت الساعة قد حانت، أسرعَ خالد بإدخال السيارة وهو يبصر والدته الرؤوم تتعرّق رغم الرياح الباردة التي تهبّ على القرية الساكنة، أمسك بيدها ليساعدها على الركوب وهو يطمئن أخويه بابتسامة مُغتصبة:"لا تقلقا، سيزيد فريق الشغب في البيت بقدوم أخيكم بإذن الله، دعواتكم ألّا يتغلى علينا ويتأخر بالخروج".

لم يُطل خالد الغياب في المشفى بعدما رفضوا بقاءه هناك من الطاقم، وإصرار والدته عليه للعودة إلى أخويه لأنّ الوقت تأخر وحتما سيكونا خائفَين.
كانت الهالات تُطوّق عيني خالد وهو يشعرُ أنّه يحمل ثقل الأرض في صدره، بصخبها وفوضاها وفسادها، لا تنفكّ تدور بداخله مُحدثة له زوبعة من القلق الطويل، أدمنت روحه غصص الهم المكتنز وما فتئ يُلسع بنيران الظلم وهو يتذكر ورقة التسريح التي أُلقت عليه كنقبلة أضنت مضجعه، لم يتجرأ أبدا على إخبار والدته بالأمر، بقي وحده يدور في حلقة مفرغة يبحث عن حل...
طوَى حبل أفكاره وهو يصل أمام باب البيت، شفط الهواء في صدره وكأنه يريد أن يستولي عليه، أن يتأكد أنّ الهواء لن يُسلب منه كما سُلبت وظيفته وقوّته..
دخلَ البيت بهدوء، كانت الساعة تُشير إلى التاسعة مساء، مسحَ على قلبه منظرُ أخويه وهما نائمين في الصالة، ويدُ بسام تُمسك يد حليمة، كم هي الأيام سريعة!
يتذكرهما يصعدان على كتفيه ليجري بهما جنب الساقية وهما يترجيانه ليسمح لهما بالغطس في الماء.
في هذه السنة سيبلغ أحمد الثالثة عشر من عمره وحليمة التاسعة من عمرها، لا خوف عليهما وأيديهما فوق بعضهما دائما.
تلاشت ابتسامته وسرحانه، تدّفق الدم سريعا في أجزائه، وهو يسمع طرقا قويا على الباب، استيقظ أخواه مرعوبين من شدة الطرق، شعرَ خالد بأنّه متيبس في مكانه، أصبح جمادا مثل العمود الذي يقابله، كان خائفا، خائفا جدًا، تمنّى أن يعود طفلا ويصرخ بملء فيه:"أنا خائف".

جرّته أقدامه وعيون أخويه الشاخصة نحو الباب، لا يدري كم تبتُّلٍ جرى على لسانه في ثوانٍ قليلة، فتحَ الباب وقد تحقق خوفه ووقعت الواقعة، الشرطة تقف عند الباب، يدا أخويه تمسكانه بشدّة والاستفهامات تكاد تلتهمهما، أحسّ بخواء شديد، كاد أن يتلاشى لولا شعوره بالقبضة القوية الحانية من جانبيه، نظرةُ أخته التائهة أصابته في مقتل، شعرَ بهما يكبران عشرين سنة في لحظة وهما يصرخان في وجه الشرطي المجفل قلبه، تجاوزا أعظم الجيوش قوة وهما يجذبانه بكل طاقتهما، يُقاتلان الجنود بأيديهما الصغيرة، وتوسلاتهما التي جعلت الجيران يخرجون..

بدا له أنّه يحلم، أراد أن يرفع يده ليقرص خده لعله يفيق، ارتبكت الأصوات في مسمعه ثم اختفت وبقي صدى صوت حليمة وهي ترمي بالحجارة على الشرطي وقد انقلب لونها أسود باهتا:"اتركوا أخي، لا تأخذوه، لا تتركنا يا خالد كما تركنا والدي، ارجع يا خالد، سيأتينا أخ صغير، أنتَ تُحب الصغار..."

أمسكَ رأسه بكلتا يديه، كان يشعر بروح أخته المُعذّبة تتلبسه، أراد أن يصرخ، أن يهتف بالقوم حوله:"أنا لستُ مجرما، بل مَن حرمني العمل هو المجرم" ولكنّ حلقه كان جافا، الأنّة تجرحه، رأى شاشة هاتفه تومض، كانت رسالة من والدته:
" بفضل الله رُزقنا مولودة، سنسميها أمل" 
ردّد الاسم طويلا:" أمل.. أمل.. وُلِدَ الأمل في يوم موتي، أي أمل يا أمي وهذه الدنيا ظلام في ظلام مستمر"
أراد أن يُمسك الهاتف ويسمع صوت والدته لكنّ الشرطي سبقه وسلبَه منه، كان قد وصل إلى المركز، إلى مردم المجرمين، وهاهو أصبح فردا منهم بسبب دَين أراد به أن يُطعم أسرته. 

كان كالمحمول في جنازة، مستسلم، لا يُقاوم، صامت لا يتكلم، يشعرُ بالبلل يجتاح جسده، ثيابه رطبة جدًا، وفي قلبه صقيع جمّد شعوره، تمعن في القضبان قبل أن يلجها، كان يبصرها وحوشا شريرة تقهقه عاليا، تُريد أن تلتهمه، شعرَ بها وهو يدخلها تخترق قلبه، جرح عظيم نزف في قلبه، تحسس الجدران اللزجة، تكوّر على نفسه في إحدى الزوايا،استولى عليه خيال والدته والخبر يصعقها بقسوة، كانت الأبصار المُركزة عليه تثقبه، تُعريه من قوته، فإذا به يصرفها بنحيبه الذي لا يدري كم استمرّ حتى نام.. 
#يُتبع

ميعاد الحارثية
٢١/ شعبان/١٤٤٢
٤/٤/


السبت، 3 أبريل 2021

شطرُ الكتابة٣: صناعة الإلهام٢

 اليوم الثالث:


شطرُ الكتابة٣: صناعة الإلهام٢


هذه المرة جعلتُ البعوض يقوم بعمله وأنا أراقبه،

قاومت كُل شعور بالحكة وتركته يطير مُعتدا بنفسه. كنتُ أرى فيه ذاك الإنسان الذي يخدرنا عن  كشف حقيقته بتزلفه وتملقه حتى إذا غرس طعنته وانتصر بدمنا ولّى هاربا إلى غيرنا.


نصٌّ قديم كتبته، في أيام أتذكرُ أنّي أُصبتُ فيها بمتلازمة الخيال، أصبحت الأشياء من حولي تُلقي إليّ المعاني الفريدة، تربطُ لي بإتقان حقيقة الواقع مع وهم الخيال.

كانت أياما ذهبية، كتبتُ فيها نصوصا مختلفة وخاصة في القصة القصيرة جدًّا، توثقت فيها علاقتي بسرّ صناعة الإلهام:

            "اقرأ، تأمّل ثم ركز"

القراءة تُعطيك دروسا تجريبية مجانية، تُسافرُ بك في أعماق الفنّ الذي تودّ الكتابة فيه، كيف بدأ الكاتب وكيف ربط أحداث الحبكة وكيف أشعلها وكيف تدرّج للخاتمة...

كُل هذه الأسئلة ستجعل عدوى الكتابة تنتقل إليك، لن تكتب أبدا إن لم تك نهما بالكتب.

ولكَ هدية عظيمة من التمعن في أسلوب الآيات القرآنية وألفاظها ومعانيها والإبحار في بلاغتها، كيف لا وهو أعظم كتاب تحدّى الله به جهابذة اللغة منذ الجاهلية، فلا تحرم نفسك من معينه غير المنقطع.


وأنتَ ترتع بين الكتب، لا تنس أن تنظر إلى الفضاء حولك، ستجد أدوات الكتابة قابعة حولك تنتظر الإشارة منك لتتحول إلى تحفة فنيّة من الكلمات البهية.

تأمّل، لا تتنازل عن صورة تمرّ حولك إلا وصنعتَ لها برواز المعنى الباهر، ألهِم نفسك، لا تنظر باعتيادية، هناك سرّ في كل شيء عليك إنقاذه، انظر إلى البعوضة بماذا ذكرتنا. 


وأخيرًا ركّز، اشحذ كُل عدّتك وقابل ورقتك بشجاعة، لا تشتت نفسك وأنت تريد أن تكتب، كُن شجرة لا تتحرك من مكانها ولكنها تُثمر بفاكهة نضرة طيبة. 

التركيز يُعطيك فرصة الغرق، الغياب عن الوعي، يُحرّض الحروف على الاقتراب، يجعل حبل أفكارك متينا ويجعلك تستمتع! 


وقبل هذا وذاك حدد غرضك من الكتابة. 


اكتب يا رفيقي ولا تخف، اكتبي يا ميعاد! 


#رسالة_منّي_إليّ

٢٠/ شعبان/ ١٤٤٢

٣/ إبريل/ ٢٠٢١


الجمعة، 2 أبريل 2021

شطرُ الكتابة٢: صناعة الإلهام

     اليوم الثاني:      

         شطرُ الكتابة: صناعة الإلهام


تنهيدةٌ عميقة تتبع اليوم الأول من التحدي، ءانستُ جذوة الحماس في نصّ أروى واصطليتُ بها من جمود الشعور.

أتعرفُ يا رفيقي تلكَ الخفة التي تجتاحك فتُصيرك سحابًا متآلفا رطبا، تسيلُ بالغبطة والحبور وتنحت الابتسامة في محياك فلا تنفك عنك؟

شعرتُ بهذا وأنا أُبصر مَن يفهمني، مَن تعتريه رجفةُ المُحب وهو يلهثُ طويلا  باحثا عن نصّ يُعيد له اتزان ذائقته ويتدارك ظمأه ليسيقه شرابا طهورا من  الأدب العظيم.

مَن يقول:" أنا مُتعبٌ، أحتاجُ إلى حرفٍ يُعيد إليّ روحي". 

ولقد منّ الله عليّ بأنّي  وصديقي الذي ارتبطتُ به نُقدّس معاني الحروف، نُعطي الكلمات حقها عندما تتنزّل، دون أيّ إرباك، ونعي جيدًا قول أحدنا للآخر:"أُريدُ أن أكتب"، فنعطيه مساحته الخاصة. 


في إحدى الصباحات، ألهمني اللهُ لأفتح إحدى المحاضرات الموجودة في قناة مكتبة تكوين على اليوتيوب، أنّا البصرية التي لا تُطيق مشاهدة مقاطع الفيديو عكفتُ ذاك اليوم على ذلك اللقاء، الذي كان بداية لوعيّ جديد في عالم الكتابة، ولاكتشاف سر ضمور الكُتّاب في مهدهم، وهو قضية الإلهام. 

يترقبُ الكثير منّا الإلهام، يجعله سلطانا عليه لا يتحرك دونه، ويضيعُ إن جفاه. 

وهو - كما يزعم الكثيرون- يعدّه شيطانا يزوره فيسكب عليه تراتيله فيكتبها، أو فلتقل ملكا فالأمر سيان. 

لا أنكرُ تلك اللحظة التي يغرق فيها الكاتب، يغيب عن الوعي ثمّ عندما يفيق يجدّ حروفا تخصه، فيسأل نفسه:"أنّى لكَ هذا؟" 

لكن تخيل -يا رفيقي- أنّك أنتَ السُلطان، تتربعُ عرشَ اللغة و تأمر الإلهام فيأتيك مطواعا، يكون قرينك في كُل سفر روحي مع اللغة، فأيّ مُلك أعظم من هذا الملك؟! 

إنني أُبصرك متشوقا،تنادي بملء فيك، وكيف لي ذاك وأنا الفقير الذي أدمنت حبسة الكاتب؟ 

فدونك سرّ الصنعة ممّن هو أحوجُ إليه منك، ولكنّه يحاول الوصول. 

                         "اقرأ وتأمل ثم ركز" 


ومن أجل ألّا أطيل عليك، ترقّب لطيف حوارنا غدًا بإذن الكريم، وإنّ غدا لناظره قريب. 


#تحدي_الثلاثين 

٩ شعبان ١٤٤٢

٢/ ٤ / ٢٠٢١



الإحسان

  تحدي الكتابة: اليوم السادس *الإحسان* يأسرني الإحسان، بمعانيه الخلابة المتنوعة، وأجد في حروف كلماته رقة تشبه رقة المُحسن في جميل عطائه. أتذ...