الأربعاء، 12 نوفمبر 2025

كيف أنقذ ابني في المدرسة؟

 أُرسل له مازحة سؤالا كررته مرات كثيرة على مسمعه

"هل أستقيل من المدرسة؟"

ويمر على خاطري طالبة الثانوية التي امتلأت بالثناء على شرحها لزميلاتها، وتقدمها للشرح بدلا عن معلمتها، وكأنني بتلك الغبطة  التي كانت تجتاح قلبها لتحلق بخيالها إلى المستقبل، قائلة:" يوما ما سأكون معلمة حقا!"

وتمضي السنوات ويتحقق الحلم  الذي ما لبث إلا أن بدّل عباءته الوردية فأضحت مزيجا من ألوان التعب والإرهاق.

وكم تساءلت ما الذي يجعل المعلم رهين الصدمة وهو في ميدانه العظيم؟ حتى أرتني "الخبرة" صنوفا من المنغصات تطل بوجهها كل صباح لتحيي معلما لم تسعفه أنفاس الصباح ليريح صدره من تعب الأيام.

وأنا أعيش هذه الأيام بعيدا عن مدرستي، أستذكر تلك الأوقات التي عدت فيها غاضبة وعازمة على الكتابة لمجتمع يهدم جيلا وتعليما دون شعور، فيصدني الاشتغال والجري عن هذه البغية.

وكأن هذه الرغبة في الكتابة بدأت تتسلل إليّ من جديد رغم البعد، فعسى الله يفتح بيني وبين الحق لعل قلبا يعي ويتدارك!

#يتبع

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

أنظر إلى الصورة طويلا في هاتفي، كانت يدي التي تمتد لتربت على طالب يبكي لا يريد القدوم إلى المدرسة، وأهمس لنفسي: أفهم ما تشعر به!

يتردد المعلم كثيرا عن الحديث عن واقعه لأنه سيواجه مجتمعا وأصنافا من البشر لا يتسع لهجومهم صدرُه.

منهم الذين يعششون في السطحية فيصرخون:" إن لم تعجبك الوظيفة دعها لغيرك!"، فلا يرون التعليم إلا وظيفة جالبة للمال، ينبغي على الفائز بها أن يأخذ راتبه وهو صامت.

وهذا المنطق العجيب رأيته اليوم في كلام أحدهم وهو يقول لطالب يذكّر بحقوقهم:" إن لم يناسبك الوضع، دع المقعد لطالب آخر لم يقبل"!

وهذه واحدة من المعضلات التي يتعثر بها الإصلاح، أن يُنظر إلى المُصلح بعين الريبة ويُنبز بالجحود وعدم الشكر، فتنحرف القضية عن مسارها؛ فبدلا من تقويم الخطأ، يُرجم المُصلِح.

وأنا أشد على أيدي المعلمين، وأذكرهم أنه لا يوجد متسع للتردد والخوف من سهام المتربصين، لأن التعليم بات عندنا على شفا حفرة من الانهيار.

وإن جئنا لوصف أساس البلاء وأصله في مدارسنا، فلن أبدأ بالمناهج وتخبط القرارات -وهي من أصناف البلاء- وإنما بهيبة المعلم التي طُمست، وباحترامه الذي هُجر، حتى ليصيبني العجب من طلاب صغار ينتقصون من معلمتهم، بل ويصل ببعضهم أن يلقي الشتائم ويصرخ ولا يبالي!

وللأسف، لا يوجد سر وراء هذا السلوك، بل هو مما يُجهر به في كثير من البيوت دون وعي بالمصير.

فكم من لسان أدمنت الانتقاص من المعلم أمام الأبناء، بل وأشركتهم في الانتقاد الذي قد يخالطه الشتم.

وكم من كلمة في برنامج ألقت النكت والاستهانة بالمعلم

حتى تشبّع هذا الجيل بهذه النظرات نحو المعلم، فلم يعد يلقي له بالا ولا احتراما.

ونحن إن جئنا نتمعن قليلا في ما وراء هذه الكارثة، سنجدها تقع على رأس الأبناء بل والمجتمع بأكمله، فضلا عن مخالفتها لأخلاق المسلم.

وقد رأيتُ هذا جليا في الطلاب وأخلاقهم ومستوياتهم،

فالطالب الذي يتغذى من سموم استنقاص المعلم، لن يرقى في مدارج العلم، ولن يكترث بحصة معلمه، وستعشش الاستهانة في عقله، ويُسجن في فقاعة الغرور، والعكس صحيح.

ولهذا نرى أهل العلم يبدأون كتبهم بباب آداب المعلم والمتعلم.

ولا أزعم بهذا الحديث أنه لا يوجد معلم يخطئ ويقصر، ولكن الآباء الأفذاذ -الذين يحرصون على دين أبنائهم وأخلاقهم وعلمهم- لا يجعلون خطأ المعلم علكة يلوكونها أمام أبنائهم، بل تقودهم حكمتهم إلى الدفع بالتي هي أحسن دون المساس باحترام المعلم في أذهان أبنائهم، بل وتوجيههم إن سمعوا منهم نبرة استنقاص لعلمهم أنّ هذا سيعود وباله عليهم، فضلا عن وقوعهم في إثم الغيبة واعتيادهم عليها.

فإن كنا نريد حقا أن نكون في ركب المصلحين للتعليم في مدارسنا، فلنكف ألسنتنا عن المعلم ولنذكر أبناءنا بمقامه ولنربيهم على آداب المتعلم؛ وبهذا نحوز مفتاحا ذهبيا لإصلاح الأجيال.

ميعاد الحارثية

#يتبع

الثلاثاء، 15 يوليو 2025

الكاتب والجن!

 تمضي هذه السنة مُثقلة بضغوطات كثيرة، فبينما يترنم الناس بإجازاتهم كنتُ أنا أعدّ الليالي خوفا ورجاء،

خوفا من عودة الدوام سريعا، ورجاء أن أجد أياما بسيطة أتنفس فيها.

وأنا أحدث زميلتي ونتواصى على الجهاد والصبر، لمعت في ذهني حقيقة أنني في دوام ل٩ أشهر متتالية ولهذا أصبحتُ عُرضة للتعب والفضفضة الكثيرة، وأنا في داخلي أوقن أنني أُحب هذا السعي، ولا أطيق الحياة من دونه، ومعي موهبة "تطليع الشغل من تحت الأرض"، والحمد لله الذي ألهمني أنّ هذا الجهاد رزق عظيم إن وعينا له، وهو فضل من الله علينا لا يُتاح لكل أحد.

دعوتُ قبل يومين بألا يُبتلى مؤمن بدراسة صيفية أكاديمية بعدما كنتُ أشجع زميلاتي على هذه الخطوة حتى يتخففن أثناء الفصل الدراسي، والحمد لله الذي نجاهن.

ولكن الجانب المنير في هذا الصيف كانت تجربة تعليم الطالبات لمادة العقيدة، وقد كان عمرهن هو العمر المثالي الذي يجعلني أفهم حقيقة هذا الجيل -الذي استوعبت لاحقا أننا كبرنا وأصبحنا لا نعرف بعض اهتماماته-.

 وكطابع حصص العقيدة، كانت حصصنا جدلية، اندهشت في بدايات المركز من جرأة الفتيات على النقاش وأحببتُ هذا كثيرا، حتى جاء ذلك اليوم،

الذي جعلني أكتب لكم هذه المذكرة -بعد انقطاع طويل ومؤسف عن الكتابة-.

كانت الحصة تمضي بسلام وقد قلتُ في نفسي:'الحمد لله موضوع اليوم سيمضي سلسلا وسننهي ما خططنا له"، حتى وقفنا على معنى كلمة "الثقلين"، وما إن عرفت الطالبات المعنى حتى تنقبت وجوههن بالحماس وتنشطت أذهانهن واستعدت كل واحدة منهن بأن تدلو بدلوها، وهذا هو دأب العمانيين، ينشطون عند أي ذكر للجن ويتوارثون هذا الأمر جيلا عن جيل.

حتى بدأت إحدى الطالبات تسرد لنا تفاصيل دقيقة عن الجن واستحضارهم وغرائبهم وأعمالهم -التي قد يجهلها الجن بأنفسهم-، فطرحت عليها سؤالي المعتاد: أنّى لكِ هذا؟!.

قالت:" فلان ذكر في رواية هذا الأمر"

وأنا المسكينة -على نياتي- حسبتها تقصد أنّه ذكر رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فطفقت أشرح لهن عن علم الحديث وعلم الرجال والتصحيح والتضعيف وأمثلة على الحديث الموضوع، حتى صرخن بصوت واحد:"أستاذة، تقصد رواية كتاب، قصة!"

فأخذتني الصدمة، فأخبرتها إذن ما يقوله فلان هو محض خيال!

لكن لم يعجبها الرد -وقد كانت تتحدث بكل يقين عن الأفكار التي يطرحها-، فردت:" أستاذة لكنه خرج في لقاء وذكر هذه التفاصيل مع الجن، وأنها حدثت معه حقيقة"

فسايرتها، وقلت لها عرفيني على هذا الشخص، هل هو عالم، وثقة أم من هذا الذي نأخذ منه هذه الأمور.

فأجابت بكل فخر:" هذا كاتب سعودي مشهور" وردّدت كلمة مشهور وكأنها تحمل في طياتها معاني الصدق والحق والثقة.

وفي نهاية الحوار عدنا لدرسنا الأول في العقيدة، إلى مصادر العقيدة ومرجعية المؤمن، ولكن الفتاة بقيت واجمة وكأن ذلك الحوار أساء إلى شخص مقدس تعرفه.

من هذه الحادثة، عدتُ وأنا أتأمل في حال مجتمعنا الذي يُلقي بفلذات أكباده في عالم ممتلئ بالأفكار والخزعبلات دون أن يشعر الولي بخطورة ما يملأ قلب وعقل أبنائه، ودون أن يفكر يوما أن يحاورهم ويُبين لهم المرجعية الصحيحة التي يستقون منها عقيدتهم وأفكارهم؛ فتعيش البيوت ولا هم لها إلا الأكل والشرب والملبس، مغمضة عينيها عن بوصلة الآخرة التي ترشد المؤمن إلى الصواب.

والحمد لله الذي يمنّ على بلدنا يوما بعد يوم بتكاثر المراكز الصيفية، وكثير من أهل الوعي وإن كانوا لم يتمرسوا الحوار مع أبنائهم لكنهم فضلوا أن يلحقوهم بمراتع العلم في هذه المراكز، بدلا من مصيدة الأجهزة والروايات والأفلام!


ميعاد الحارثية 

الأحد، 3 ديسمبر 2023

بين طوفان ونفق

 


       بين طوفان ونفق

يسيل طوفان من الدمع من أعيني الخائفة المترقبة وأنا لا أكاد  أغفو متمتمة بدعاء الاستوداع لأهل غزة، حتى يبدأ الرعب يطاردني، الصواريخ تتساقط والدماء بحمرتها تنطلي على جفاف الأرض والصرخات تترى، فأنهض بهلع مما داهمني وأمسك قلبي لئلا يقفز من مكانه من هول ما شاهده في منامه.

ثم تلمع غزة في قلبي، - التي ما غادرته قط- وأتخيل أهلها وهم يعيشون ما أرعبني حقيقة لا حُلما، فيسيل الطوفان من عيني مرة تلو المرة وأخشى أن يُغرقني ويرديني تحت كومة الركام فلا أجد منه مفزعا، فأتمالك نفسي وأستمسك بألواح ودُسر وأنا أرى الغرقى يستصرخون من حولي.

ومثلما جاء الطوفان لينقذ نبي الله نوح من بطش المفسدين، جاء طوفان الأقصى لينقذنا من غفلتنا ولهونا وسباتنا.

يملأُ قلبي شعور بالفقد كلما سمعت عن شهيد جديد، أبكي عليه وأذكر نفسي بكرامة الإنسان، أيها الشهيد، أنت لستَ رقما بل  نجما أضاء الطريق الدامس لأمة تائهة.

أعجبُ من نفسي وأنا أداري شعور الفقد في قلبي، فرغم مرارته إلا أنني أخشى فقدانه كذلك!

يرسم الجهاد والمجاهدون في قلبي طيف رسولنا الكريم، حبيبنا المجاهد الذي سالت دماؤه لأجل هذا الدين، وهو يردد علينا:

"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". 

إن لم يصبك السهر والحمى يا قلبي لمصاب أخيك المسلم فاعلم أنك ميّت، فلا تبرح عن ميدان التوجع، ولا تبرح عن ترقب النصر.

تُربكني صرخات الغرقى بهذا الطوفان، تربكني غفلتهم عن غرقهم وبذلهم لإنقاذ أنفسهم، يستمسكون لآخر رمق لهم بالتثبيط ولوم أهل الجهاد ومقارعة الحق بأوهام يحسبونها سيوفا تطعن خاصرة هذه الأمة - التي اهتزت وأينعت بعد خشوع ويبس امتد لأعوام مريرة-، وما هي إلا وهم تربع في صدر الجاهل. 

وأنا أرى صراع الناجي والغريق أردد على نفسي دروس هذا الطوفان، دروسا علمني إياها ذاك الشهيد الذي لا تربطني به عائلة ووطن، بل رابطة الدين العظيمة، علمني إياها ذاك المقاوم الشريف الذي يقاتل بوعد الله وبقرآن ملأ جوفه حتى هان عليه الموت، علمتني إياها صرخة الثكالى الصابرة التي اجتازت كل الحدود لتستقر في نفوس الملايين، ولم أجد في حياتي معلما مثل أولئك المخلصين.

حفرتُ نفقا طويلا في داخلي، أنقذ به نفسي من فواجع الدهر وأفتش فيه عن حقيقة اليقين بداخلي، وسط جموع الصابرين الحامدين من أهل غزة.  

 ذاك النفق الذي لا تُبصره أعين الناس ويعلمه الله وحده، أُفتش فيه عن حقيقة السطح وأرسم فيه خططي لأجل الحرية، الحرية من السفاسف والتفاهات، الحرية التي يصل بها المؤمن إلى حقيقة الحياة، إلى الجنة.

ومن تلك الدروس تداعى كُل الزيف الذي يتنقب به الغرب، كُل الحضارات الواهمة التي سلبوا بها لُب عقول الشباب فتماهوا فيها، ولولا الطوفان الذي أذن به الله لما ذابت كُل تلك الزخارف الكاذبة.

ومن تلك الدروس تعالت نفوس الصغار وهممهم، أولئك الصغار الذين طالما ندبنا حظهم أنهم بعيدون عن قضيتهم بسبب السياسات التي لم تأل جهدا للقضاء على فكرة فلسطين، فألقت بها في غيابة الجُب ولم تتصور يوما أنّ الله مُخرج نوره ولو كرهوا.

نفوس الصغار التي امتلأت بفلسطين حتى فاضت لتكون أكثر حرصا من الكبار على قضيتها، وإذ أقف متعجبة من كلماتهم القوية ومن حرصهم البالغ الذي انبثق في شهر بعد تغييب لسنوات، أتذكر قوله تعالى:{وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى}

فالحمد لله الذي سخر الطوفان، وسخر المقاومة لتستفيق هذه الأمة.

ومن هذه الدروس التي لا تعد ولا تُحصى، بزوغ تلك الأخلاق الفطرية التي شوهتها المادية في نفوس البشر، فهبوا من كُل الأعراق يصارعون لأجل كلمة الحق من بعد أن وئدت أعواما طويلة، ومن كان يتوقع أن تخرج كل تلك الجموع الكثيرة لأجل فلسطين؟ فسبحان الحكيم الخبير

والأسى كُل الأسى أن تكون جموع غير المسلمين قد خرجت رجالا وركبانا لتصدع بكلمة الحق، بينما لا يعرف كثير من أهل الإسلام إلا التنديد والصرخات الخجلة، فاللهم استعملنا ولا تستبدلنا.

وأعظم نصر لذاك الطوفان أن ترى الناس يدخلون في دين الله أفواجا، "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"

فطوبى لمَن دعا الناس بدمه وأهله.

ومن تلك الدروس ما يعجز هذا القلب المكلوم عن بثها، فتبقى زفرة التقصير تدور في شغاف الصدر فيتصبر المؤمن من نفحتها الحارقة بالدعاء الكثير، وباليقين أن النصر لله ولأوليائه الصالحين، راجيا مغفرة الله وخائفا أن تكون منزلته منزلة الخوالف.

{وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم}

وإنه لجهاد نصر أو استشهاد


ميعاد الحارثية 


السبت، 14 مايو 2022

إنما الصبر عند الصدمة الأولى

       *إنما الصبر عند الصدمة الأولى*

أكتبُ هذه الكلمات بعدما فاضت نفسي من الصدمة والأسى على ما يكال على ديننا الإسلامي العظيم، ولم أك لأكتبها إلا بعدما شهدتُ انجرار مَن نعرفهم بالالتزام على الدين لصيحات مشوهة لا تريد إلا هدم ركائز الدين، فهي ليست للمكابرين وإنما لمن ضُلل عليهم وهم ينشدون الحق.

-هل المشرك يدخل الجنة؟

أجزم أننا لو طرحنا هذا السؤال في وقت غير هذا الوقت لنُظر علينا بالاستنكار والاستهزاء حتى من الذين سيجيبون بالإيجاب الآن. اتفقت كُل الأمة الإسلامية منذ القدم أنّ الجنة لا يدخلها إلا مسلم. هل كان اتفاق الأمة بسبب أنهم يوزعون صكوك الجنة أو أنهم يتعصبون لدينهم أو لأنهم مرضى قلوب بلا رحمة؟ 

كلا، هم فقط يحكمون بما حكم الله وبما ذكره الله في كتابه العزيز، الذي لو تمعنا فيه لما تخاصمنا وتحاربنا على أمر يعدّ من بديهات الإيمان وركن أساسي في هذا الدين. 

{ومَن يبتغ (غير الإسلام) دينا *فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} 

{إن الدين عند الله *الإسلام* } 

{إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم} 

وكثيرة جدا هي آيات الله التي توضح هذا الأمر لمن أراد الحق. 

وإن قلنا بأن أهل الكتاب وأهل الشرك يدخلون الجنة فما فائدة الدعوة للإسلام وما فائدة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما فائدة القرآن؟ لماذا يدخل النصارى واليهود الإسلام وهم يكفيهم أن يحسنوا لغيرهم وسيدخلون الجنة؟ فليبقوا على اعتقادهم فهم لا يؤدون الصلاة ولا يصومون ولا يؤتون الزكاة وهذا لا ريب هو أقل جهدا عليهم. تالله إنّ هذا لزعم عظيم وتحسبونه هينا. 

إن كانت الأمور واضحة لهذه الدرجة ويسرها الله للأفهام، فلماذا حدثت تلك الضجة؟ لأنك ضعيف أيها الإنسان، ضعيف جدًا تجرك عاطفتك حتى تجعلك تميل عن عقيدتك الثابتة، وتجعلك - والعياذ بالله- ترى الحكمة والرحمة في غير ما أراده الله، فانتبه. 

ولأن هناك من مرضى القلوب من يستغلون كل حدث لتشويش حقائق الدين وإبعاد المسلمين عن دينهم، فيذكرون لك آية:" إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ويزعمون أن كُل هؤلاء سيدخلون الجنة وإن اتبعوا كتبهم المحرفة، والحقيقة أنّ هذه الآية إنما تذكر أحوال الأمم التي جاءت قبل بعثة النبي والتي لم تصلها حجة الإسلام، فمن رحمة الله بهم أنهم إن بقوا على الإيمان الصحيح الذي جاء من الأنبياء السابقين فهم في أهل الإيمان. وإن زعمتَ غير ذلك فأنت تحكم بالتعارض على آيات القرآن.

فلنتأمل في أوضاعنا، إن كانت عقيدتنا هُدمت لفقد غريب فماذا سيحدث لها لفقد القريب؟ ولنا في قصص الأنبياء عبرة ومنهم نبينا إبراهيم عليه السلام: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) إن إبراهيم *لأواه حليم*﴾، إبراهيم كان حليما ولم يك قاسيا لأنه تبرأ من أبيه لأنه خالف دينه الإسلامي: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن *كان حنيفا مسلما* وما كان من المشركين﴾. 

وإني لأعجب لحال المُعاند الذي يُبصّر بحكم الله ثم يصر على رأيه، وكأن الجنة ليست بيد الله الذي حكم عليهم بحكمته وعدله. 

وهذا الحكم الأخروي لا يتعارض أبدا مع القسط والبر والإحسان لمن هم على غير ديننا بل هو أمر من أوامر الإسلام، والتعامل الحسن ومشاعر الفقد والحزن وذكر المناقب الحسنة من فطرة الإنسان التي فطره الله عليها وهو من خُلق نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام. 

لكن لا يجعلنا هذا الحزن نغيّر حُكم الله، لأن عبادة الله فوق كُل شيء. ولو جاء شخص غير مسلم عُرف بكثرة الخير والإحسان إلى الناس ولكنه يرى من خلفيته التأريخية المزعومة أنّ أرض المقدس هي حق لإسرائيل لدعونا عليه بجهنم، فكيف بالإنسان الخيّر الذي ينقص من كمالات الله ويزعم أنّ لله ابنا ويشرك بالله غيره، أنهوّن حق الله؟ 

مع التنبيه أننا لا نجزم بالجنة والنار على الشخوص لأنه أمر الله ولكننا ندين ونؤمن بحكم الله أنه مَن مات على غير الإسلام فلن يدخل الجنة ولا نعاند وندعو للمشرك بالجنة وقد سبق حكم الله عليه. 


الخميس، 28 أبريل 2022

ماذا حدث في ليلة ٢٧ رمضان؟

 جاءت ضاحكة مستبشرة وعيناها تترقرق فرحا:"ثلاث مصليات، ما هذا الكرم؟!"

إيه يا خالتي لقد فاضت الثلاثة مصليات وتزاحمت القلوب على أبواب الكريم فما ألذّ ذلك الزحام!

نحاول مغادرة البيت مبكرا خشية ألا تتسع الأرض لسيارتنا فلا نجد موقفا، وما إن يطل علينا الجامع بشموخه حتى نرى الناس يترجلون من سياراتهم وقد وصلت إلى الشارع وجميع المداخل مغلقة بسبب الازدحام، وخطوات الذين آثروا المشي للمسجد تُسبّح الله وتفرّ إليه مسرعة.

فُتحت المصليات الثلاث الواسعة للنساء وامتلأت الساحة الخارجية من الجموع، رأيتُ هناك الشابة وكبيرة السن التي تُقاد والطفلة التي غلب حجابها طولها.

 رأيتُ تلك السيارات التي تحمل عائلات كاملة صغارا وكبارا وتلك الصبية تسحب برنوصها معها، رأيت الحائض وهي تسترق النظر إلى المصلى لكي لا يفوتها المشهد! 

لم تك الحائض تشعر بالغربة لأن نسوة كثر مثلها لم يعذرن قلوبهن من شهود التهجد.

كان التأمل في كُل اللحظات التي تزينت بها تلك الدقائق المباركة من النعيم المُعجّل، أن يأتي كُل أولئك الخلق حاملين حاجاتهم وشكواهم ويقفون وقفة الرجل الواحد يطرقون باب قاضي الحاجات ويسبحونه خاضعين له، مُلقين بأثقالهم على أعتاب جوده وقد  امتزجت بها العبرات واقشعرت منها النفوس وهي تنصت إلى النداء الواحد: يا الله.

يا للقلوب المملوءة حبّا لله وللقرب منه، ويا للنداءات الخفية والاستغاثات الطويلة التي بدأت منذ أن جرت سورة مريم على لسان الإمام واخترق نداءُ زكريا أعتابَ الفؤاد وطهرُ مريم أخلاق العباد.

كذلكم أنتم، يا مَن تعذّر عليكم شهود الموقف العظيم، وسع الدعاء ذكركم وأسهب في طلبكم وبثّ رغباتكم التي لا يعلمها إلا الرحيم بنا وبكم.

إيه يا رمضان، ما الذي تفعله بقلوبنا الغافلة وجوارحنا المقصرة، أي لطف تلقيه أيامك على أفئدتنا وأي كرم أن تجتمع الأمة في كل بقعة على ذكر العظيم..

اللهم كما باركت في رمضان وساعاته ونسماته بارك في هذه الأمة، اجعلها عابدة قانتة متحدة على طاعتك وذكرك، اسقها من نهر جودك ونصرك حتى ترتوي وتخضر فلا يبقى فيها غافلا ولا معرضا.

 يا رب أسعد بنا قلبَ نبيك الحبيب الذي فاضت عيناه شوقا لنا وفاضت أعيننا شوقا له وللقياه.

يا الله لا تخرجنا من رمضان إلا وقد رضيت ورضيت ورضيت عنا وغفرت لنا وبدلت حالنا إلى أحسن حال، نعوذ بك أن يخرج رمضان ونُردّ على أعقابنا غافلين ملتهين بزينة الدنيا.

انظر إلينا بكرمك ورحمتك ولطفك يا الله.


ميعاد الحارثية 

الجمعة، 1 أبريل 2022

مرضٌ عضال، كيف تتجنبه؟

 مرضٌ عضال، كيف تتجنبه؟ 


تُعيدني الذاكرة إلى أيام بعيدة يومَ أن كُنّا طالبات في المدرسة، وكأنّي جالسة على ضفة شاهقة أتأمل علاقاتنا الاجتماعية مع بعضنا أيام الإعدادية، وكيف أنّ بعض المواقف تنحفر في الذاكرة ولا تزول.

كانت شخصيتي المعتادة ظاهرة، الفتاة التي لا تُحب الجموع وصداقاتها خاصة ولا تعلم كيف تتواصل مع غيرهن إلا لأجل الدراسة والشرح. كنتُ مملوءة "بشلة" من الفتيات أندمج معهن ولا أذهب مع غيرهن ولا ألتفت لمَ يقال عن هذه المتفوقة المتكبرة التي لا تمشي مع أي فتاة.

جاءتني يوما طالبة متفوقة ولم تك من الشلة وعلاقتنا سطحية وأخبرتني أنها تودّ أن تكون صديقتي ولم أمانع. كنا أحيانا نمشي معا، فقالت لي يوما:" أنا أريد أن أكون صديقتك ولكني أتمنى أن تموتي"، ضحكت يومها وتعجبت، فعللت هذا بأنها لا تريد أن أسبقها بتفوقي. لم نستمر معا لأكثر من شهر كما أحسب، ولكن بقيت كلمتها تراودني وكنتُ في كل مرة أتذكرها  يعتريني الضحك من "سوالف الطفولة".

حتى كبرت وبدأت هذه الظواهر تظهر ثانية في حياتي، وفي هذه اللحظات كنت أعي جيدًا أنّ هذا مرض خطير يصاب به الناس يسمى:"الحسد".

دائما أتحدث عن أمراض القلوب ودقتها ووجوب الانتباه لها ولكنّي كنتُ أُلقي بالحسد جانبا؛ لم أك أتصور حدوث هذا حقيقة حتى شاهدت أناسا انتقلوا من كتمان حسدهم إلى إلقائه جهارا دون أي احتراز أو خجل.

لم تك أعينهم فقط هي التي تبين الغيظ في قلوبهم، بل كانت ألسنتهم تنطق بكلمات أُصاب بالدهشة حيالها، كيف يُمكن أن يُبدي إنسان هذا العيب بداخله للملأ ويفصح بالذي في نفسه عن الآخرين وهم لا ذنب لهم إلا أنّ الله فضلهم برزق عن غيرهم.

علمتُ حينها أنّ الحسد ليس "سوالف طفولة"، وإنما مرض خبيث يجب أن يبحث عنه كل منّا في حجرات قلبه وفي عثرات لسانه وفي بنات عقله حتى لا يتمادى فتنبعث آثاره في كلماته وصاحبه في غفلة يتمرغ في نار الغيظ ولا يدري بأنه مصاب به.

بعدما كسرتُ الكثير من الحواجز في تعاملي مع الناس، عدتُ بعد دهشتي من هذا الأمر إلى بناء حواجز جديدة، إلى الفتاة التي تجلس في حالها إلا من قلة تصاحبهم. 


-يا صاحبي- أنتَ عندما تؤمن حق الإيمان بأنّ الله هو الرزاق فلن تحدثك نفسك عن كيف تستولي على رزق غيرك، بل ستسعى؛ لأنك تعلم أنّ الله قادر على أن يرزقك مثلما رزَقه. وستعلم أنّ بمرضك هذا لن تصل إلى مكان حتى وإن تحوّل مرضك إلى أفعال وعقبات تحاول أن ترصها أمام مَن تحسده.

ليس لهذا الإنسان إلا قلبه، فإن لم يتعهده بالطهارة الدائمة والمراقبة فماذا بقي له للوصول إلى مرضاة الله؟


ميعاد الحارثية 

الجمعة، 29 أكتوبر 2021

أيامي..

 قبل شهر تقريبا وفي لُجة الاشتغال الشديد الذي أصبح عنوانا لأيامي حضرتُ لقاء لعبدالله بن عمر يذكر فيه عن ٧ أخطاء قاتلة يقع فيها الكتّاب، ومنها الخوف.

الخطأ الذي نهرب منه بالتجاهل والتوقف التام عن الكتابة بحجة تخمة دقائقنا بالأعمال التي لا تنتهي. نهرب وتلح علينا الكتابة إلحاح الطفل العنيد لنيل بغيته، وقلب الأم يعتصر ألما مهما حاولت ألا تلتفت.

هأنا ذا أكتب بعد تحد استمر ثلاثين يومًا أردتُ به نقب جدار الخوف وترطيب أيام الجري بحروف ندية، ولكن كل هذا لم يحدث، توقفتُ عن الكتابة ضريبة توقفي عن قراءة الأدب، رغما عني.

سلكتُ طريقًا جديدًا أشعر به يلتهم كل طاقتي، ويجبرني في أحايين كثيرة على الانهيار، ولكنه الطريق الذي أُحب وأهوى.

كتبتُ منذ سنوات في مساحة التعريف في تويتر:"امتزجت الشريعة بالأدب والكيمياء"، لم يك أبدًا مجرد تعريف عابر بل هو الدماء التي تجري في جسدي والشغف الذي أبى الخمود.

هأنا أدرس الشريعة!

نكاد نصل إلى منتصف الفصل الدراسي الأول وعقلي يأبى الاستيعاب، أنا حقا هناك، طالبة في كلية العلوم الشرعية أتنقل بين القاعات والمكتبة وأجلس في العشب الأخضر وأتأمل القمر مزهوا في سماء الكلية.

أخرجُ كل فجر إلى المدرسة، وأعلق في زحمة المعبيلة، قبل أشهر لم أك أتخيل قيادتي في مسقط واليوم أنا أخوض الصراعات مع السيارات لأجل دخول الحارة التي تتحرك أسرع في الشارع!

سورة البقرة تصاحبني دائما، المقرر الواجب علينا حفظه في الكلية والذي لولا الزحمة الشديدة في الشارع لم أجد وقتا لمراجعته.

أصل إلى المدرسة متأخرة في العادة بضع دقائق ليشرع دمي بالغليان من أول لحظة، أنظر إلى جدولي الذي يرهقني، الحصة الأولى كل يوم والأنصبة المرتفعة التي تصيبنا في مقتل.

ألملم الأوراق بسرعة وأنسخ ما أحتاجه لحصتي الأولى وأقلب الكتاب لأتأكد من درس اليوم وأجري إلى الصف، إلى طلابي، ومواساتي.

في الصف يجب أن أُلقي كُل شيء ورائي، أنسى كل فصول حياتي وأحيا اللحظة.

طلاب الصف الرابع الذين اخترت تدريسهم لعلهم يكونون أكثر التزاما من غيرهم من الطلاب الصغار، أُصبح يوما صديقتهم وفي يوم آخر قد أفقد أعصابي عليهم فيُهدوني بعفويتهم ابتسامة لا سبيل لها إلا البزوغ.

مرةً في خضم حصة الرياضيات واندماجنا الشديد يصرخ طالب-شيمته الهدوء- من الخلف:"أنا عندما أكبر سأصبح معلم رياضيات. لازم!".

سكتُّ رغما عني وقلتُ له:"ستصبح أفضل معلم رياضيات بإذن الله".

لا يعلم طلابي أنّي درستُ لألتقي بحب حياتي "المختبر" ولأعمل في الكيمياء وأمتزج بها فشاءت الأقدار إلا أن أتجه إلى تدريس الرياضيات.

"أستاذة، أجمل حصة حصة الرياضيات، أنا أحب الرياضيات كثيرًا"

تتعجب من ليونة لسان الأطفال، تتدفق الكلمات من قلوبهم دون تردد لينيروا بها أفئدتنا.

ملأتُ ملاحظات هاتفي بأفكار كثيرة أريد تطبيقها ولكن الوضع خانق جدًا في المدارس، عانيت في بداءة تطبيق زيادة أنصبة الحصص ألمًا شديدا في ظهري، أصبح كل شيء صعبا، الوقوف والجلوس والمشي.

أصل إلى الحصة الأخيرة في جدولي وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة وأشعر بالعجز من إعطاء المزيد، أشعرُ بالذنب ولكنّي أعلم أنّ ما يحدث فوق طاقتنا وهناك مَن يحسبنا آلة يرمي علينا كل يوم المزيد من العمل ويريد أن يرى النتائج المبهرة!

يحزّ في خاطري وجود طلاب في صفي لا يجيدون قراءة وكتابة أبسط الأرقام والأعداد، وأريد أن أحميهم بالعلم ولكن أين الثغرة في الوقت التي ستنجدني أنا قبلهم؟

أحلم بأشياء كثيرة عسى أن تخفف الأيام وطأتها الثقيلة عليّ وأحققها. 

يبدو أنّ هذه المذكرات طالت قبل أن أخبركم عن الكلية وأجوائها. 

#يُتبع... ربما

الجمعة، 22 أكتوبر 2021

مشهد من وجه بائع

 ملأ سيارته بأنواع الغذاء الذي استطاعوا تحضيره لهذا اليوم ووقف مواجها الشارع بعدما ارتدى كمامته السوداء وقبعته الرياضية التي غطى بها جبينه.

كان حمد يحُب الليل، لم تك تزعجه حرارة الشمس التي تكاد تشعل رأسه ولكن  قلبه كان ينتفض كثيرا في النهار، تخترقه نظرات المارين فيشعر بالطعن المتتابع يحاول أن يهدم عزمه عن هذا العمل، ولطالما قال في نفسه كلما راودته الفكرة:"هل تريد أن تخيس في السجن يا حمد ويموت أهلك جوعا؟"

لم تك نظرات الشفقة هي التي تؤذيه، بل شعوره الدفين أنّها نظرات عابرة لا تلبث أن تنساه حتى قبل أن ينبض قلب صاحبها بالأسى عليه. 

في كُل لحظة كان يُحكم لبس كمامته، وهو يتمنى أن يطغى سوادها على صفحة النهار فيصيره ليلا دامسا لا يزول. 

تحاول عيناه انتحال بسمة للزبون القادم، تململ في وقفته وهو يحاول أن يجيب عن فضول الزبون، هذا الفضول الذي يكشف صفحته فيشعر أنّ جرحه يغور أكثر وأكثر. 

"ما شاء الله، أنت حمد بن سالم، أتذكر إنك تعمل في شركة نفط" 

-"نعم... كنت" 

-"عسى ما شر؟ لا تقل إنهم سرحوك!" 

-"..." 

يلجم السكوت الفضولي فيأخذ حاجته سريعا ويذهب ليبدأ الغليان في صدر حمد. 

لم تك هذه الأسئلة تتوقف أبدا، وكان الليل ينطفئ دائما ليزيح الستار عن الحقيقة التي حاول حمد إخفاءها...


الجمعة، 30 أبريل 2021

تنهيدة الختام

 ٣٠

                              تنهيدة الختام


للإنسان علاقة غريبة مع الزمن، في خضم الرحلة يشعر بالأيام طويلة ممتدة والوصول بعيد، وما إن يصل حتى يقف مشدوها: كيف مضت الأيام؟!

إنه اليوم الثلاثين من تحدي الكتابة، يوم الختام الذي يلتقي مع أحداث سعيدة، يوم الجمعة الممطر البارد، والشعور بالعزة والقوة في رمضان ونحن نسترجع أحداث بدر الكبرى وأهلها العظام، وموقعة الجسر التي تشفي صدورنا.

كُلها مواضيع يُمكن أن يقتنصها الكاتب ليمنح قلمه شرف خطّ أحداثها وعبرها.

لكنّ التحدي انتهى، وهو ما يجعلني أقف متأملة فيما مررنا به وما خرجنا به.

-وكيف للمرء أن يتأمل ومريم تبكي فوق رأسه؟-

أول سؤال أطرحه على نفسي: هل سأعود للتوقف عن الكتابة بعد هذا التحدي؟ وقد كان الهدف منه التدرب على الكتابة في كُل حين دون التعلل بفقدان الإلهام. 

-هل ندمتُ على هذا التحدي؟ شعرتُ في أيام بضغط كبير، وآثرت أوقات راحة لأجل أن أكتب ولكنّي لن أندم أبدًا عليه. 

كتبتُ فيه نصوصا لم تك لتخرج لولا أنّي أرغمت نفسي على الكتابة، تسويفا أو خوفا أو قلة بارض. 

واستطعتُ أن أُخالف مشاعري المتعبة في أيام وأكتب مواضيع نافعة، وخرجتُ بثلاث نصوص فقط عنونتها بهذيان! 

أعتبره إنجازا، إن كان هُناك مَن يُحب أن يكافئني(:

وأعظم ما نلته في هذا التحدي هو القراء، أشعر بامتنان عظيم لكُل مَن قرأ وتابع وعلّق، كان تعليق أمي على قصتي أجمل تعليق، وبعدها تعليقات الرفيقات في الواتس، وقولهن إنهن يترقبن النصوص كل يوم، وأنّ بعضها تواسيهن! 

والتعليقات في المدونة، وأعداد القراء الصامتين المتزايدة أشعرني بالحبور، لأنني لم أك أحسب أنّ أحدا يقرأ. 

رغم أنّ الكتابة حياة للكاتب، يستمر بها وإن تفردت بها ملاحظات هاتفه فقط. 

-هل سأكرر هذا التحدي مرة أخرى؟ في أيام ماضية كنتُ أقول: مستحيل. 

لكن في لحظة الختام أقول: رُبما. 

-هل أُشجعكم عليه؟ 

نعم. بشرط أن تتخيروا الوقت المناسب، وقت السعة الذي يسمح لكم أن تقرأوا كثيرا وتنفردوا بأنفسكم للكتابة، في ذاك الوقت ستلحظون الفرق في المستوى وتأثير القراءة على كتاباتكم، ولن تُسابقوا الدقائق لتنهوا النص كما أفعل الآن. 

وفي النهاية أقول:

الحمد لله الذي نجانا بسلام دون خسارة من هذا التحدي، والشكر الجزيل لأروى لأنها كانت منافس خير وصمدت حتى النهاية. 

والشكر  لكم لأنكم تقرأون. 





الخميس، 29 أبريل 2021

إلى صُحبة القرآن

                               إلى صُحبة القرآن


إنّه اليوم ٢٩ من تحدي الكتابة، كان لابد أن أتحدثُ فيه عن أحبّ الأشياء إلى قلبي: صُحبة القرآن.

تُداهم الإنسان مشاعرٌ من التيه والوحدة، لا يكاد يُنقذُ نفسه من ألم حتى يسقط في آخر وهكذا دواليك.

أفقتُ على واقع أنّ الجامعة انتهت، صخب الأصدقاء اختفى، وكُل واحد اشتغل بحياته، قد يحدث أن تضيق بنا الحياة ولا نجد أحدًا؛ فكنتُ أتضرع إلى الله أن يرزقني صحبة صالحة، تعينني في طريق الصلاح المحفوف بالمكاره، وما أضعف الإنسان إن كان وحده.

شاء الله أن ألتحق ببرنامج النور لحفظ القرآن الكريم، يومَ أن فاتت الكثيرات فرصة التسجيل.

مضت الأيام ونحن نمشي على خطة مُحكمة في الحفظ، كان الأمر عاديا في البداية، فقد كانت هناك محاولات مهزوزة لإتقان الحفظ سابقا.

حتى بدأ النور يتسلل رويدا رويدا، وبدأت الأحوال العابسة من حولي تبتسم، بل أنا التي رأيتها تبتسم.

قلتُ لصديقتي:"لأول مرة أشعرُ بهذا الأمان، وأنا أحفظ كتاب الله بعزم".

بعد مُدة رأيتُ إجابة الله لدعائي، فتيات برنامج النور هُنّ الصحبة الصالحة، هُنّ رزق الله الذي ساقه لي برحمته.

قد يتصور الإنسان الصاحب أنّه الذي يسير ويجئ معه ويحدثه عن همومه ومشاكله، ويخبره بتفاصيل حياته.

لم يحدث هذا كُله، ولكنّي اكتفيت. 

أعجبتني فكرة أن تكون الصحبة قرآنية فقط، بعيدا عن مشاغل الدُنيا.

تتصل بي بُشرى، أسردُ لها محفوظي الأسبوعي ثم نُنهي المكالمة بدعوات وتثبيت وتحفيز.

وتتعهدني إن تخلفت عن إرسال تقاريري اليومية. هذا كُل ما يحدث وهو كُل شيء بالنسبة لي.

أشتدُ باتصال عبير وهي تسرد لي محفوظها وأُسبّح الله على إتقانها، وأحمدُ الله كثيرًا أن جعلني مَن أُسمّع لها لأتقوى بتلاوتها.

الآيات التي تتلوها كانت هي أعظم مواساة لي في متاعب أيامي. 

كنتُ أعرف عبير منذ أيام الجامعة، وكُنا نلتقي يوميا تقريبا ولكنّي لم أشعر بقُربها إلا هنا، في لحظة السرد.

تطمئنّ نفسي وأنا أرى تقارير هدى ومريم، ويثلج صدري جهود الشيماء وهاجر - جزاهنّ الله خير الجزاء عنا- وهنّ يخططن ويشجعن ويتواصلن لأجل هذا المشروع العظيم.


نعم، هذه صحبتي التي دعوتُ الله أن يرزقنيها، وهي خير الصحبة لأنها تفردت بابتغاء الآخرة فقط.

تواصُلُنا السريع من أجل أن تنهل قلوبنا من القرآن، هي أطهر صداقة على الوجود.


وأنتَ يا رفيقي، يحقّ لك الشعور بالأمان والرضى واليقين، يحقّ لعينيك أن تتفتح وتُبصر نضارة الأحوال والأشياء، فابدأ بمعاهدة كتاب الله وحفظه، فإنّ للحفظ روح لا تجدها في سائر التلاوات، وكله خير.

سيكون الأمر مرهقا لك في البداية، ولكنّ الله سيحبب لك هذا الطريق حتى تُضحي بكُل حب بالتجمعات والفعاليات من أجل أن تُتقن وردك، وستدمنه حتى تشعر أن بقاءك مربوط بارتباطك بالقرآن. 

الأربعاء، 28 أبريل 2021

فلسطين

 اليوم ٢٨


                                  فلسطين

قبل أيام كنتُ أستمع إلى سؤال أهل الذكر، ونحن ننهلُ من علم الشيخ، كانت الأمور كعادتها حتى سُئل سؤال فلسطين. اهتزت روحي مع كلمات الشيخ وجرت القشعريرة فيّ واقتربت الدمعة من محجري.

فلسطين، خرجنا إلى الدُنيا ونحن نردد اسمها وندعو لها بالنصر. عندما أرى الشعب المجاهد هناك أستشعر المعنى الحقيقي للعزة.

بينما ينشغل أكثر الشباب بتضييع أوقاتهم في الملهيات، يأتي طفل فلسطيني ويرمي حجرا في وجه عدو بائس.

المستكين سيستصغر الحجر ويستهزئ به، ولكن الشهم سيراه قنبلة تتزعزع بها قلوب أعداء الله، تلك الحجارة تستمد قوتها من ثبات الطفل الصغير.

نتلو آيات الجهاد في القرآن الكريم ونحسبها ولّت، حتى نبصر جهاد المقدسيين عن بيت الله، ومسرى نبينا.

كم استشعرت الآية الكريمة:﴿قاتِلوهُم يُعَذِّبهُمُ اللَّهُ بِأَيديكُم وَيُخزِهِم وَيَنصُركُم عَلَيهِم وَيَشفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمِنينَ﴾

إيه نعم، يشف صدور قوم مؤمنين، ومَن لا يثلج صدره وهو يرى ذاك الشموخ يعتلي رؤوس الأعداء، الذين هم أجبن خلق الله وإن أردت أن تكشف خبايا نفوسهم وضعفهم وتزعزهم فعليك بسورة الحشر.

وبينما الفلسطيني يُقاتل مستهينا بالموت، يأتي في مجتمعاتنا من يُداهن أعداء الله ويذوب في عاداتهم ويُقلدهم في صغائرهم وكبائرهم ووده لو يتقمص شخصية أحدهم أو يكون منهم وهو يلهث وراءهم ويفتخر بلغتهم.

رغم أنّ الكتاب العزيز كشف صدور الكفار، وفصّل تفصيلا شافيا كافيا فيما يجب أن تكون عليه العلاقة بين المؤمن والكافر إلا أن النفوس انتكست وانخذلت.

وصدق الله العظيم:﴿ها أَنتُم أُولاءِ تُحِبّونَهُم وَ لا يحبونكم﴾


الثلاثاء، 27 أبريل 2021

سفرُ مشاعر

 اليوم ٢٧ من #تحدي_الثلاثين 


                                      إليكَ


في كُل مرة أقرأُ فيها حادثة الإفك - كأنها أول مرة- تعتريني موجة من البكاء، أودّ لو أكون مكان المرأة التي بكت مع سيدتنا عائشة دون أن تنطق حرفا.

يا الله، كيف يُمكن لمشاعر أن تخترق القرون الكثيرة وتسري في قلوب جديدة؟

أسكنُ الموقف، بل أسكنُ قلب السيدة عائشة وتعصف بي الأعاصير التي تنزل به، وكأنّي بسيل دموعها المدرار المستعر، يغلي في صدري وهي تحكي:" وقد بكيت ليلتين ويومًا، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي".

ومَن ذا يلوم الطاهرة على وجعها وهي قد أُصيبت في طهرها وعرضها بهتانا وبطلانا؟

ومَن ذا يلومها وهي تُقابل جفاء لم تشهده من حبيبها رسول الله؟

نحنُ اليوم إن حدث حادث بيننا وبين مَن نُحب وإن كان بسيطا، نندبُ آلامنا بالأشعار وتسودّ الدنيا في أعيننا، فكيف بحبيب كمحمد؟

السيدة عائشة، المرأة الصابرة رغم نحيبها، المرأة التي استندت على قول أبي يوسف إذ قال:{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}.

وهي التي تقول:"وأنا والله أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مُبرئي"

يا الله، أي يقين كان يسري في تلك النفوس، فلا تعرف جزعا ولا تشهد قنوطا، بل تترقبُ ترقب الواثق فرجَ الله.

وأنتَ يا صديقي، قد ينعتك الناس بما ليس فيك، قد يكيلون عليك ظنون السوء وينظرون إليك نظرات الريبة وإن كان في أمور دون العرض والشرف، يؤذونك في مشاعرك، - ومشاعرك غالية- تذكر هذه الواقعة ودروسها واستعن بالله على ما يصفون، وارجوه أن يُخلّصك من بهتانهم.

ولك في سورة النور شفاء للغليل الذي يعتريك

{لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا...}

{إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند "الله عظيم"}

لا يريد الله للمؤمن أن يحزن، فاستعن به على مَن يستصغر شعورك ويستبيحه، واستند على آياته وترقّب فرجه. 

الاثنين، 26 أبريل 2021

لسانك حصانك

 ٢٦

                                لسانك حصانك


"لسانك حصانك، إن صنته صانك"

يأخذني التأمل بعيدًا وأنا أُنقّب بين حروف هذا المثل، ربما يستخدمه الكثيرون في المواقف الحرجة التي تكاد "زلة لسان" فيها، أن تودي بصاحبها.

اللسان،العضلة التي لا تحدّها عظام ولا يرهقها جهد، هي حصنك الحصين الذي إن أحسنتَ حراسته، وقاك من حروب الناس وتقاتلِهم.

وقد تكون هي حصانك السريع الذي يجري بك في كُل ميدان، فإنْ لم تروضه وتشد زمامه، ألقاك مضرّجا بآفاتك في الثرى.

وقلّ مَن يُجيد ترويض حصانه في أيامنا هذه، ويحفظ كرامته من الولوج إلى كُل شُرفة يجتمع فيها أناس في شؤون تخصصهم وعلمهم.

أصبح الكثيرون مرضى بالجدال و المراء، يشعرون بحكة في عقولهم إن لم يبدوا رأيا هنا وهناك وفي كُل محفل، ولَسوء سقطاتهم التي جرّهم إليها تهورهم وغرورهم وفضولهم.

الأدهى من ذلك، أن يمشي الإنسان في يومه وهو يحمل قذى في لسانه يُلقيه أينما حل، يبصقُ في وجوه العالمين بكلماته النابية.

تراه مُتزيّنا، متحلّيًا بأفخم الثياب، ومتعطرا بأزكى الروائح، ويمشي كأنه مَلكَ الدُنيا، وعندما يتحدث لا يكاد ينطق كلمتين إلا خالطهما بسباب من فحش القول، ويكون مفتخرا بهذا ومزهوا بتطوره ومستبشرا برفعته.

يا للمسكين، لا يدري أنّه مزج زينته في وحل، وعكّر مظهره بعفن.

ومن عجائب الدهر أنّ الناس يُقذَفون بالكلام اللاذع ويضحكون، كأنّك ملأت قلب أحدهم بكلمات الحُب والهيام وهو يسمعُ زميله يُلقبه بشيء من ألقاب الحيوانات.

ومنهم مَن يمشي بين الناس بسيرة حسنة، فإذا ما تحدثوا عنه قالوا:"رجل صالح لكنّ لسانه متبرئة منه"، فكان كمَن يملأ روحه نورًا ثمّ يُغلّف عليه بالسواد، فلا هو سما به ولا نفع به غيره.

والآن في زمن التعليم عن بُعد، انكشفت سوءة الألسنة داخل البيوت، عندما ينسى أحدهم مُكبّر الصوت مفتوحا فنسمع ألوانا شتّى من النزاع والشتم للأبناء، ونُسارع إلى غلق مكبرات الطلاب، لئلا يظهر شيئا للملأ، إلّا أنّ هذه الشتائم تُصبح لازمة لسانية يتناقلها الأبناء عن الآباء وينشرونها كوباء عند أصحابهم في المدرسة والحارة. 


قضية القول، ليست وليدة اليوم والبارحة، بل فصّلها القرآن وأعطاها حقها تهذييا وتنبيها.

فقد حكى لنا قول القائلين:"‏{ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول}، انظر كيف يستصغر الإنسان معصية القول، وتغريه سلاسة لسانه وسهولة نطقه، فيُحدّثُ نفسه - لا الملأ- مُقدّما لها الأعذار في طبق من ذهب، زاعما أنها كلمة خاطفة لا تضر.

{لولا يعذبنا الله بما نقول}؟

" وهل يُكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"؟ 

ألَم يُهذّب الله هذه الجارحة آمرًا﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقولوا قَولًا سَديدًا﴾. 

انظر كيف ربط سبحانه بين التقوى - التي هي منال العباد- وبين القول السديد. 

{وقولوا للناس حُسنًا}، فما بالنا نقول للناس سوءًا وشرّا وننشرُ ثقافة الشتم والسب ونجعلها منهج حياتنا وأصل أيامنا، والله يُريد أن يُطهرنا من كُل نتفة سوء لنصل إلى الكمال الإنساني، إلى خُلق القرآن؟ 

أنتَ تستحق الأسمى، فاعزم في أيام رمضان أن تتخلص من فحش القول والسباب والتنابز بالألقاب استجابة لأمر الله، واستكمالا لنور الله بداخلك، وسعيا نحو التقوى. 

وقُل لنفسك، لن أبرح حتى أُطهرك - بإذن العزيز الحكيم-. 


الأحد، 25 أبريل 2021

هذيان٣

 ٢٥

                                     هذيان٣


نسمعُ دائما نصيحة الناصح أن اقرأ كثيرًا لتكتب.

وأنا أعصرُ مخي لكتابة نص اليوم تخلصا تذكرتُ أنني نسيتُ اليوم وِردي من قراءة كتاب وسط زحمة الأعمال والخطط التي أود الانتهاء منها.

صادف هذا التحدي الوقت المختنق من السنة، الامتحانات ثم رمضان؛ ولهذا عندما أعلنت عن رغبتي في صاحبة نتشارك التحدي وجدتُ ردودا تتقافز حماسا ولكنها مقيدة بالأشغال، ووعدتُ إحداهنّ أننا سنتحدى في الصيف ولا أدري أين أُلقي بذاك الوعد بعد هذه التجربة، لكنّي أرجو أن يُغيبه النسيان.

عندما أوشكتُ على اليأس من ولادة التحدي، انتشلتني أروى - رغم اشتغالها- قائلة:"الكتابة جزء من الحياة وليست حدثًا عارضًا في اليوم"، وبهذا بدأنا.

في أول الأيام كانت تتصارع الأفكار والحروف أيها تبدأ، كنتُ أكتبُ بعد صلاة الفجر، لا أطيق صبرًا حتى أُفرّغ ما في جعبتي.

أمّا الآن أشعر بأن حروفي يبست، لأنّني أهملتُ القراءة قسرًا، وتمنيتُ أيام العز، أيام إجازة الصيف إذ يتفرغ الإنسان لنفسه واهتماماته وشغفه.

لا يجري وراء طالب لتسليم واجب، ولا وراء أسباب الغياب ولا يتصدّع رأسه برنات في أوقات غريبة.

يحقُّ لي أن أخشى على نفسي لأن القراءة العشوائية وغير المنتظمة والانقطاع عنها يشعرني بالضياع والاكتئاب، وعندما أقرأ أشعرُ بالوطن وأنني في الطريق السليم.

سنعود قريبا  بإذن الله. 

السبت، 24 أبريل 2021

لا تدّخر!

 ٢٤

                                لا تدّخر


‏"لا تُغرق نفسك بديون عليك سدادها. حافظ على نفقاتك متدنية وابدأ بتكوين قاعدة أصول، ثم ابدأ بعد ذلك في ابتياع المنزل الكبير أو السيارة الفارهة."


من هنا بدأتُ شغفي في القراءة في المجال المالي، كنتُ دائما أقول: يجب ألّا نخوض في شيء قبل القراءة والاطلاع عليه.

لكن لم يخطر ببالي  التوسع في أمر المال، حتى زرتُ صديقتي يومًا ورأيت في مكتبتها كتاب" الأب الغني، الأب الفقير"، كانت قد نصحتني بقراءته يومًا، استأذنتها لأستعيره وفي بالي فكرة: ماذا سيقول؟ ادخروا وادخروا ثم كوّنوا حياتكم.

كانت الصدمة أنّه حكى قصة رفض الكتاب لعشرين سنة لأنّه ذكر قواعد تخالف العقل الجمعي ومنها أنّ الادخار هو شيمة الفقراء ومتوسطي الدخل.

لأول مرة هناك مَن يكسر القاعدة:"لا تدّخر".

إذن ماذا أفعل؟

الكتاب لن يُخرجك من معمعة صفحاته الكثيرة إلا وقد أقنعك بما يجب عليك فعله.

غيّر نظرتي وغيّر مخططات سنوات في رأسي!


‏"الأصل يجلب المال إلى جيبك سواء أكنت تعمل أم لا، أما الالتزام فيسحب المال من جيبك. فإن أردت أن تصير ثريًّا، فأنفق ببساطة حياتك كلها في شراء الأصول، أمّا إن أردت أن تصير فقيرا أو من الطبقة الوسطى فأنفق حياتك في شراء الالتزامات"


هذه كُل الخطة، أن تستغل مالك في استثمارات تعود إليك بالربح، لا تجعل أولوياتك سيارة فارهة ومنزل ضخم وترهق عقلك في الديون والتفكير في التسديد. 

عندما يكون معك رأس مال وإن لم يك ضخما، استثمره ثمّ ابدأ بشراء الالتزامات من بيت وسيارة وأثاث من مال الاستثمار. 

الذي يوقعنا دائما في الورطة المالية أنْ نجعل أنفسنا عبيدًا للوظيفة والراتب الذي نستلمه، فإذا ما اضطررنا للخروج منها، انتكست حياتنا كلها. 

يُقال لك شخص عمل ٢٠ سنة ثم سُرّح من عمله، وهو الآن لا يجد لقمة العيش. 

لأنّه كان يصرف كُل راتبه في الالتزامات، ولو أنّه فكّر قبل أن يغرق نفسه بديون بيت وسيارة في مشروع يدرّ به أموالا ويستغني به عن الراتب الأساسي للإنفاق على المستلزمات لما تأثر هكذا بتسريحه. 

نحن الشباب ما زلنا في بداية حياتنا المالية، نستطيع الآن أن نتخذ قرارا في أن نجعل أولويتنا الاستثمار ثم الالتزامات، حتى نستغني في أي وقت عن الراتب، ولا نُلقي أنفسنا في مغبة الديون. 

السؤال الذي أسأله نفسي الآن: كيف أستثمر، وفيمَ أستثمر، ومتى أستثمر... ؟

وهذا ما أنوي البحث والقراءة والتعلم عنه - بإذن الله-، فإن عاقب ة الجهل شديدة مريرة. 


الجمعة، 23 أبريل 2021

هو ليس أنت

 ٢٣

                                    هو ليس أنتَ


يُحكى أنّ شابا كان يعيش وسط عائلة كبيرة ممتدة، تتطلعُ إليه دائما بعين لوّامة وبلسان نمّامة، شعر بأنّه منبوذ، تتقاذفه سيئات الظنون في كُل المحافل.

مَن يعمل معه يراه شابا طموحا هادئا رزينا خلوقا، ومَن يقترب من عالمه يغدق عليه بإحسانه وإخلاصه ووفائه.

....

لا تتعجبوا من أمر هذا الشاب فهو يكاد يوجد في كُل عائلة، ولا توجد به مُشكلة ولكن المجتمع هو رأس المشكلة.

يولدُ الناس بشخصيات مختلفة، بين هادئ صامت يميل إلى العزلة وفوضوي كثير الكلام يُدمن التجمعات وفي كل يوم يقيم صداقة جديدة.

الخلل الذي نعاني منه في مجتمعاتنا هو أنّنا نُريد كُل الأشخاص مثلنا، نظلم الشخص الذي تقفُ التجمعاتُ مع الغرباء كغصةٍ في حلقه بوصفه متكبرا ومتباهيا.

قالت لي إحداهن يوما:"أشعرُ بالاكتئاب ما إنْ أسمع خبرَ تجمع كبير يحضره الغرباء وإنْ كان التجمع بعد شهر".

الذين لا يملكون هذه الشخصية يعدّون هذا مبالغة وتعنّتًا، ولا يدرون أنّ بعضهم عندما يُرغمون على تجمعٍ يعودون بدموعهم منه.

هناك أشخاص تعودت سماع الكلام عنهم من خلفهم أنّهم "بطرانين"، ويُتناقل هذا الكلام عنهم لأنّهم لا يعرفون كيف يندمجون مع الآخرين. كنتُ أُصدّق ذاك في صغري وعندما كبرت وفهمت معنى "تنوع الشخصيات"، عرفتُ أنهم ليسوا كذلك واللوم يُلقى على الوعي عند غيرهم.

الكثيرون يحاولون الضغط على أصحاب تلك الشخصيات، سواء باللوم أو بالمحاضرات أو بالزعل أو بالاستهزاء، وهم لا يدرون أنّهم بهذا يُبعدونهم أكثر وأكثر ويبنون جسورًا شامخة بينهم.

أمّا مَن يُشعرهم بالأمان، ويتفهم محاولاتهم للاندماج والوقت الذي يحتاجونه ولا يُمارس عليهم أي نوع من الضغوط سينجح في تخليصهم من عقدة الاقتراب إلى مجلسه متى رغبوا هم ذلك.

يجب أن نعي دائما قبل أن نحكم على أي إنسان أنّه مُختلف عنّا، وله شخصية مُستقلة، ورغبات مباينة، واهتمامات خاصة؛ فنعذر بعضنا ونتيح المساحة الواسعة جدًا لبعضنا ونترك الضغوطات الاجتماعية الخانقة فإنها وباء.


الخميس، 22 أبريل 2021

يا عليم

                                 يا عليم

كم مرة بلغت القلوب الحناجر وتصببت الدموع مدرارا وكاد السواد يلتهمنا، فجاء النداء من عين الروح المكلومة:

"يا عليم"؟ 

فتزعزعت به القيود وانفرجت به غيوم العيون وانكشف ضوء الخلاص.

ما زلتُ أتشبثُ بهذا النداء لينقذني في كُل مرة تُلقيني الوحدة في سجونها وترص عليّ بقضبانها..

أتلفتُ يمنة ويسرة ولا أرى بشرًا يُداري الخوف الذي بقلبي، يُطمئن القلب ويسكب الأمان، يفهم الضعف الذي يعتريني فألوذ إلى العليم.

يأسرني هذا الاسم دائما، أشعرُ به قريبا جدًا إلى قلبي، وأردد دائما: الحمد لله أنّه يعلم كُل شيء.

قد تُظلم ويخنقك خطر البوح وتتذكر أنّ الله يعلم تفاصيل وجعك.

قد تعصف بك الحيرة، لا تدري أين الصدق وأين الكذب وسط هذه الفوضى، فتلتجئ إلى العليم الذي يطّلع على السر وأخفى.

قد تُداهمك المشاعر المضطربة التي لا تدري من أي بقعة أتتك، ويلومك عليها أقرب الناس إليك، فتُنادي بملء فيك: يا عليم، الحمد لله أنّك تعلم ما في الصدور فأنقذني من نفسي.

قد تبذل وتجتهد وتتعب فيأتي مَن يبخس هذا كُله وينكره، فيواسيك النداء: يا عليم، أنت تعلم أنّي سعيت.


اهدأ يا صاحبي، لا ترتبك من أيامك ولا تخش من مستقبلك، يكفيك الله بعلمه، آنِس وحشتك وأنت تستشعر: {وهو معكم أينما كنتم}.

كلا لن يضيع لك تعب ولا جهد ولا حزن والله يعلم ما في السماوات والأرض.


الحمد لله على علمه. 

الأربعاء، 21 أبريل 2021

على شرف أوريدو

 ٢١


              *على شرف أوريدو*


لا يوجد نص، مر يومان تبعثرت فيهما الخطة تبعثرا فظيعا وأوريدو تتحمل المسؤولية الأكبر في هذا.

منذُ أمس ونحن نتسوّل الشبكة مثل الشحاذ الذي يتربص الأوقات المناسبة ليحصل على بُغيته.

تطل علينا الشبكة دقائق وما تكاد حتى تهرب مكركرة من إنزعاجنا الشديد، وأهلها يُعيدون لنا السيمفونية التي نخشى أن ننسى أسماءنا وتبقى وحدها في الذاكرة من طول الترديد:"أغلقوا المودم ربع ساعة، قدموا بلاغا في التطبيق، أرسلوا إحداثياتكم، اضغطوا على" reset" مطولا، أرسلوا ثلاث سرعات للشبكة..."

وفي النهاية يستسلم الطرفان ونبقى وحدنا نُعاني.

مِن عجائب خدمات الاتصالات معنا أننا ندفع القيمة كاملة لخدمات ناقصة  مبتورة مترهلة لا تستسيغها النفوس ولكنها تهفو إليها.

نعوذُ بالله من الحاجة إليهم، ولولا الاضطرار لما شهدوا آثار أقدامنا بجانب مراكزهم.

أعمال المدرسة تتراكم وتترقب من يخلصها من انتظارها والطلاب يصرخون:"الشاشة سوداء، أستاذة صوتك يتقطع، الأستاذة أخرجتها الشبكة..."

والغيظ يتراكم في صدورنا ونعوذ بالله من الغيظ.

هذا النص لا أدري إن كان سيصل أم لا، لأن حياتنا محصورة في وجود الشبكة وكذلك تحدياتنا.

الثلاثاء، 20 أبريل 2021

{ولا تنسوا الفضل بينكم}

    ٢٠

                           {ولا تنسوا الفضل بينكم}


كنتُ أُحدّثُ صديقتي قبل أشهر بأسف على أشخاص كان بيننا عيش وملح ومواقف ووقفات وذهاب وإياب، ثم عندما حالت بيننا الأماكن والظروف أغلقوا كُل الأبواب.

ليس اللوم على البعد فهي سُنة الحياة ولن تستطيع أن تبقى مع كُل البشر الذين تصادفهم وتتعامل معهم، وللناس ظروفها وانشغالها. لكن اللوم على مَن يسد كُل النوافذ ويعاملك كأنك لم تعرفه يومًا، فقد تُرسل له تهنئة ثم تعزية ثم سلام ثم خبر اشتياق وهو يعاملك كالهباء المنثور ويبخل عليك حتى بردّ بسيط أو رد السلام.

قد يقول الكثير هذه حرية شخصية، وهناك فعلا من الناس المزعجين الذين لا تتوقف رسائلهم، وهذا صحيح ولكن فلنتذكر قول تعالى:{ولا تنسوا الفضل بينكم}، فلن يضيركم رد سلام ما دام الشخص لم يضركم، واحتسبوا نية شكر الله على تسخيره لكم في يوم ما، واخفضوا جناحكم للمؤمنين.

وهناك فئة من الناس ما إنْ تشتت العلاقة أباحوا كشف أسرار الصديق، وأخرجوا كُل المساوئ، وهم لا يُبالون بنشح أسراره وضرب المثل به في كُل محفل.

حتى وإن فنيت العلاقة:{ولا تنسوا الفضل بينكم}.

أمّا إن كانت العلاقة قائمة، فاجعلوا الآية نُصب أعينكم وعددوا أفضال الأشخاص وازدادوا بها حُبا وقُربا وحاربوا بها أيام الضيق والعتاب.

فمَن عوّد نفسه بتذكر أفضال الآخرين وذكرها وشكرها، لن يغفل عن تذكر صاحب الفضل الأعظم، الذي لا تُعد ولا تُحصى نعمه سبحانه وتعالى؛ أفلا نُدرب نفوسنا على{ولا تنسوا الفضل بينكم}؟

الذي يحدث في زمننا هذا أنّ الناس ينسون ويجافون ويُكابرون، حتى إذا أخذ الله أمانته وتحقق الفقد الأكبر طفقوا يذكرون الخصال ويندبون أنفسهم على التقصير ويتمنون لو أنهم كانوا وكانوا، وهيهات.

ليس المطلوب منا أن نتبع كُل صاحب فضل علينا، فلا يكاد يمر بنا إنسان إلا ويُقدّم شيئا، لكن إن حضروا بأنفسهم لا نصدّ عنهم وخاصة إن اشتدت بهم ضائقة شعروا بسببها أنهم فُرادى لا أحد يسندهم، ورُبّ كلمة طيبة أنقذت إنسانا من ظلمات الكآبة وصاحبها لا يدري. 

{ولا تنسوا الفضل بينكم} 

الاثنين، 19 أبريل 2021

أي القلوب تملك؟

 (١٩)

                              أي القلوب تملك؟ 

{ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا مَن أتى الله "بقلبٍ سليم"}

   نتصارعُ مع الأيام، ونلهثُ من طول المسير، ونقلّبُ بعضَ الصفحات في البرامج المختلفة وننسى مَن نحن.

هل خامرك شعورٌ يوما بأنّك فقدت نفسك؟ اشتقتَ إليها؟

...

عندما تقع عيني على بعض التغريدات أحيانًا أتساءل عن كَم الحقد الذي يفور في نفوس هؤلاء الخلق؟ تشعرُ بصدورهم تغلي عند كلمة حق وودّوا لو يجمعوا جيشا عرمرما للقضاء عليها.

عندما تبدأ رائحة عكرة تخرج دالة على لواعج قلبك المريضة فأنتَ قد وصلت إلى مرحلة الخطر، أن يرى كُل الناس كم تتميّز من الغضب انتصارا لنفسك.

ولهذا يا رفيق تعهد قلبك كل يوم، لا تفقده بريقه ولا تهمله في زحمة الأشغال.

أنّى لنا هذا؟

سأطرح على نفسي وعليك أسئلة نغور بها داخل كهوف نفوسنا لنغسل السواد بإذن الله.

- هل تملكتك رغبة في يوم ما بأنّ لا يحصل فلان - صديقك أو قريبك- على ما يطمح له؟ شعرتَ برغبة جامحة لأن يخسر؟ إنّه الحسد. فاستعذ بالله وادعُ لصديقك وشجعه، عاكس شعورك. 

-هل تفجّرت في نفسك مشاعر الحبور والفرح وأنت تؤدي الشعائر، وتشعر أنّك قد بلغت المرحلة السامية؟ إنّه العُجب.

ودواؤه بأن ترجع الفضل إلى الله الذي وفقك إلى هذا وتعلم أنّك مهما فعلتَ لن تُوفي شكر نعمة من نِعم الله.

-هل توهمتَ يومًا الثبات وأنّك لا يُمكن أبدًا أن تحيد عن الطريق وأنّك أفضل من فلان وفلان؟ اخشَ على نفسك لأنّ بداية السقوط أنْ يظن الإنسان أنه آمن من الانحدار وأن يستصغر غيره.

-هل أخذتكَ العزة يومًا من أن تقبل الحق من إنسان تظنّ أنك أشرف منه لنسب أو جاه أو مظهر؟ إنّه الكبر، ولا يدخل الجنة مَن كان في قلبه ذرة من كبر.

-هل انتفخت أوداجك وأنت ترقب نظرات الناس لعملك الصالح وتتمنى لو رآك أحدهم وأنتَ تفعل هذا وهذا؟ إنه الرياء، أشدّ أمراض القلوب فتكا.

-هل حسبتَ أنّك تستطيع صد أخطار الشيطان وجنوده بنفسك وأنّك قوي عليه؟ إنّه الغرور، فاعترف لله بضعفك وأنّه لا حول ولا قوة لك إلا به.

-هل قلبك مُمتلئ بالحقد على فلان وفلان وتتربص بهم ليل نهار؟ 

....

أسئلة كثيرة نستطيع أن نطرحها على قلوبنا كُل يوم، نحنُ أُناس مُعرضون دائما لهذه الخواطر لكن هُناك مَن ينتبه إليها ويلجمها ويقضي عليها قبل أن تنمو، وهناك مَن يهملها فتنتشر في قلبه كالحشائش الضارة وتبثّ السموم في روحه حتى لا يدري ما وقع له وما الذي لطّخ قلبه.


أفلا نستغفرُ الله من أمراض قلوبنا وندعوه بأن يُطهرها ويثبتنا على الحق إلى أن نلقاه بقلب سليم؟

أدمن في دعائك قول: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك، طهّر قلوبنا من الرياء والكبر والغفلة والغرور والعجب والحزن والكرب، ارزقنا عبادتك حتى يأتينا اليقين يا الله". 



كيف أنقذ ابني في المدرسة؟

 أُرسل له مازحة سؤالا كررته مرات كثيرة على مسمعه "هل أستقيل من المدرسة؟" ويمر على خاطري طالبة الثانوية التي امتلأت بالثناء على شرح...